على مدى عقود من الزمن، برزت الولايات المتحدة كلاعب محوري في إعادة صياغة الخارطة السياسية العالمية، مستخدمةً أدوات تتراوح بين القوة الصلبة المتمثلة في الغزو العسكري، والقوة الناعمة أو الاستخباراتية المتمثلة في تدبير الانقلابات والضغوط الاقتصادية. ولم تكن هذه التحولات مجرد تغيير في الأنظمة، بل كانت ترسم مصائر شخصية تراجيدية للقادة المستهدفين، تباينت بين التصفية الجسدية، والاعتقال المهين، أو النفي القسري.
في حالات عديدة، لم يكتفِ التدخل الأميركي بإزاحة القائد، بل انتهى المشهد بمقتله، سواء بعملية مباشرة أو عبر تهيئة الفوضى الميدانية.
في العالم العربي، يبرز اسم معمر القذافي (ليبيا، 2011) الذي سقط نظامة بعد تدخل جوي لافت لحلف الناتو بقيادة واشنطن، وانتهت حياته على يد الثوار بعد قصف رتل سياراته.
وفي أمريكا اللاتينية، شهدت تشيلي في 1973 انقلاباً دموياً ضد سلفادور أليندي بدعم مباشر من الـ CIA وهنري كيسنجر، انتهى بمقتله داخل القصر الرئاسي.
تاريخياً، تمتد هذه القائمة لتشمل رافائيل تروخيو في جمهورية الدومينيكان (1961) الذي اغتيل بسلاح أميركي مُرر للمعارضة، ونغو دينه ديم في فيتنام (1963)، وصولاً إلى الزعيم الأفريقي باتريس لومومبا في الكونغو (1961) الذي ساهمت الاستخبارات الأميركية في التخطيط لإزاحته قبل قتله على يد خصومه.
استخدمت واشنطن أسلوب الاعتقال المباشر لإظهار هيمنتها القانونية والعسكرية، حيث تم نقل قادة من بلدانهم لمحاكمتهم خلف البحار.
المثال الأبرز هو مانويل نورييغا (بنما، 1989)، الذي اختطفته القوات الأميركية بعد غزو عسكري ونُقل إلى فلوريدا ليُسجن بتهم تجارة المخدرات.
أما في العراق، فقد خضع صدام حسين (2003) لرحلة بدأت بالسقوط العسكري، ثم الاعتقال في حفرة العنكبوت، وقضاء سنوات في سجن تحت إدارة اميركية كاملة قبل إعدامه.
وفي القارة الأوروبية، أدى قصف الناتو والدعم الأميركي للمعارضة الصربية إلى الإطاحة بسلوبودان ميلوسوفيتش، الذي اعتقل وسُلم لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي، حيث توفي خلف القضبان.
في مواضع أخرى، كان الهدف هو الإزاحة فقط لضمان تغيير النهج السياسي، ما أدى إلى نفى قادة أو إجبارهم على الاستقالة.
تعود الجذور إلى عملية أجاكس في إيران (1953) التي أطاحت بمحمد مصدق وأعادته للإقامة الجبرية لصالح الشاه.
وفي غواتيمالا (1954)، أطاحت الـ CIA بجاكوبو أربينز لحماية مصالح الشركات الأميركية.
تتكرر المشاهد في التاريخ الحديث مع جان برتراند أريستيد في هايتي (2004) الذي أكد اختطافه ونفيه طرداً، ومانويل زيلايا في هندوراس (2009)، وجواو غولار في البرازيل (1964) ضمن ما عرف بعملية شقيق سام.
لم تكن كل المحاولات الأميركية تجري بسلاسة، فبينما واجه فيدل كاسترو مئات المحاولات الفاشلة للاغتيال وظل في سلطته، شهدت الحالة السورية محاولات مستميتة للإطاحة ببشار الأسد تحت شعار الأسد يجب أن يرحل، وانتهى به المطاف باللجوء السياسي إلى روسيا بعد سنوات من الصراع. أما في فنزويلا، فقد توجت الضغوط ضد نيكولاس مادورو الذي قاوم طويلاً باختطافه مؤخراً واقتياده للمحاكمة بتهم ثقيلة تتعلق بالإرهاب والمخدرات، لتغلق واشنطن بذلك فصلاً آخر من فصول التدخل في شؤون القادة والأنظمة.
تظل هذه القائمة شاهداً على حقبة القطب الواحد والقدرة الأميركية على ملاحقة خصومها السياسيين، حيث لم تكن الإطاحة مجرد قرار سياسي، بل كانت عملية معقدة تنتهي غالباً بتغيير جذري في حياة هؤلاء القادة، ومسار بلدانهم المستقبلي.