في لبنان، لا يُختصر عيد الغطاس بكونه مناسبة دينية فحسب، بل يتحوّل إلى حدثٍ جامعٍ تتداخل فيه الروحانية مع التاريخ، وتلتقي فيه الطقوس الكنسية مع الذاكرة الشعبية والهوية الوطنية. هذا العيد، الذي يحيي ذكرى معمودية السيد المسيح في نهر الأردن، يجد في الجغرافيا اللبنانية وثراء تنوّعها بعداً إضافياً يجعل منه مناسبة ذات طابع خاص ومميّز.
روحياً، يحتلّ عيد الغطاس مكانة عميقة في الوجدان المسيحي اللبناني. هو عيد النور والتجلّي، حيث تتقدّس المياه بوصفها رمزاً للتطهير وتجديد الحياة. في الكنائس، تُتلى الصلوات وتُبارك المياه، فيستعيد المؤمن معنى المعمودية كعهدٍ جديد مع الله، وكدعوة دائمة للتوبة والسلام الداخلي. هذا البعد الروحي يكتسب في لبنان حساسية خاصة، في بلدٍ عاش أزمات وحروباً وانقسامات، فيأتي الغطاس كتذكير بأن التطهير الروحي هو مدخلٌ للرجاء ولإمكانية النهوض من جديد.
ثقافياً وشعبياً، تجاوز عيد الغطاس أسوار الكنائس ليصبح جزءاً من الموروث الجماعي. فمن الشمال إلى الجنوب، ومن الجبل إلى الساحل، ارتبط العيد بعادات متوارثة مثل رشّ المياه، وتبادل التهاني، واجتماع العائلات حول موائد شتوية بسيطة لكنها دافئة بالمعنى الإنساني. وفي القرى الساحلية، اكتسب العيد طابعاً احتفالياً خاصاً عبر طقس إلقاء الصليب في البحر أو النهر، حيث يشارك الشباب في مشهد يجمع الإيمان بالحماسة، ويحوّل الطقس الديني إلى مناسبة فرح جماعي تعبّر عن وحدة المجتمع.
لبنانياً، يعكس عيد الغطاس العلاقة التاريخية بين الإنسان والماء. فالمياه في هذا البلد ليست عنصراً طبيعياً فحسب، بل جزء من الهوية: أنهار، ينابيع، بحر، وثلوج. ومع الغطاس، تتحوّل هذه العناصر إلى رموز روحية، فيلتقي المقدّس بالطبيعة، ويشعر اللبناني بأن إيمانه متجذّر في أرضه وجغرافيته. ولعلّ هذا ما يفسّر الحضور الواسع للعيد في الذاكرة الشعبية، حتى لدى من لا يلتزمون دينياً بشكل صارم.
اجتماعياً ووطنياً، يحمل عيد الغطاس رسالة تتجاوز الطائفة. ففي بلدٍ متعدّد الانتماءات، تشكّل الأعياد الدينية محطات للتلاقي لا للتباعد. والغطاس، بما يحمله من معاني النقاء والبداية الجديدة، يصبح مناسبة للتفكير الجماعي بمستقبل أفضل، وبإمكانية أن يكون الإيمان والثقافة جسراً بين الناس لا سبباً للانقسام.
هكذا، يبقى عيد الغطاس في لبنان أكثر من ذكرى دينية؛ إنه طقس روحي، وذاكرة ثقافية، وصورة عن مجتمع يبحث دائماً عن النور وسط العتمة، وعن المعنى وسط الأزمات. عيدٌ يذكّر اللبنانيين بأن الماء، كما الإيمان، قادر دائماً على إحياء ما ظُنّ أنه ذبل أو اندثر.
ميرنا رضوان