اللقاء القاتل: جنبلاط/الأسد (الجزء الثاني)

هل أراد كمال جنبلاط إبادة مسيحيّي لبنان؟ الجواب أن نعم بحسب ما نقله وزير خارجيّة سوريا عبد الحليم خدّام لنظيره السوفياتي أندريه غروميكو، إذ قال جنبلاط، وفقا لخدّام: "أريد أسلحة لقتل قسم من المسيحيّين، وتهجير القسم الآخر، فتبقى أقليّة نحكمها كما حكمنا المسيحيّون 140 سنة". (راجع مقال ابراهيم الحميدي في "المجلّة" بعنوان: "وثائق سريّة سوريّة عن الدخول إلى لبنان واغتيال كمال جنبلاط". آخر تحديث، تموّز 2025). أتوقف عند نظرة كمال جنبلاط للمسيحيّين بالجزء الثاني من السلسلة التي أخصّصها لمحضر الاجتماع الأخير بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد الذي نشره الدكتور هادي وهّاب. (اللقاء القاتل. منشورات نوفل. 246 صفحة. 2025).  

محضر اللقاء واضح. قال جنبلاط للأسد عن أعدائه المسيحيّين: "قصّة الرحمة ما بتنفع معهم" (صفحة 146)؛ "اللّي بدّو يقاتل بدّو يحطّ المشاعر الإنسانيّة على جنب" (صفحة 152)؛ "إذا انكسروا يمكن نبقى مرتاحين مئة سنة، كما ارتحنا بعد سنة 1860" (صفحة 149)؛ "نحن صارلنا 140 سنة. تحمّلنا ضغطهم وظلمهم. وهلّق ما فينا بمعركتين – تلاتة ناخد حقوقنا؟ّ" (صفحة 169) ؛ "نحن مظلومون من 140 سنة" (صفحة 147)؛ "الكاثوليك عندنا أخبث من الموارنة" (صفحة 131).  

على المستوى العسكري، كانت جهود كمال جنبلاط تعثرت أمام صمود الكحّالة. ويبدو من المحضر أن جنبلاط خصّ الكحّالة بكراهية شديدة: "أمس حكينا بالكحّالة، وبالفعل إذا قدرنا أن ندمرها بدنا ندمّرها، بصراحة أقول هالشي، وبدون شفقة" (صفحة 110)؛ "الكحّالة بدنا نخلص منها" (صفحة

151)؛ "إذا تراجعت أنا عن الكحّالة يبصق المسلمون في بيروت في وجهي" (صفحة 192).  

المثير بعد هذا الكلام هو إقرار جنبلاط أن المسيحيّين يرتاحون للدروز. قال جنبلاط للأسد إن المسيحيّين "يشعرون بأنه إذا اختلف الدرزي معهم أهمّ بكثير من أن يختلفوا مع عشرين ألف مسلم....يشعرون بأن الدرزي الذي تشاركوا معه في مجلس الإدراة في سنجق لواء جبل لبنان الذي تأسّس سنة 1864 يبقى أقرب إليهم ويتعاطفون معه لأنه مهما صار فهذه الضيع عايشة مع بعض... يتعاطفون مع الدرزي أكثر ممّا يتعاطفون مع السني...وأنا نصّ الذين ينتخبونني مسيحيّون في الشوف، ونصّ الذين ينتخبونني في عاليه مسيحيّون، وثلاثة أرباع الذين ينتخبونني في منطقة المتن مسيحيّون!" (صفحة 104).

وعمومًا، حاول الأسد تهدئة جنبلاط. قال الأسد لضيفه: "إذا قهرت الكتائب معناها قهرت المسيحيّين" (صفحة 149)؛ "والله أنا مع وقف القتال" (صفحة 150)؛ "أنا برأيي لا تكمّلوا بهالطريق" (صفحة 152)؛ "أنا لو كنت مارونيًّا لو بقيت أنت تضرب مدافع مئة سنة لا يمكن أن أستسلم" (صفحة 159)؛ "كان في شويّة تمييز، لكن المسلمين ما كانوا مقهورين عسكريًّا بلبنان" (صفحة 160)؛ "الجماعة عم بيدافعوا عن نفسهم. يعني بدّك ياهم ما يدافعوا عن نفسهم؟" (صفحة 196).

هل عنى ما سبق أن جنبلاط أراد إبادة المسيحيّين كما زعم خدّام؟ لا يوجد إشارة صريحة لذلك بالمحضر. ولكن يوجد إشارة مواربة تقشعر لها أبدان من يعرف تاريخ حرب البيافرا في نيجيريا. أفصح جنبلاط للأسد عن تصوّره لنهاية الحرب: "ساعتها نحنا منكون اجتحنا كسروان وسيطرنا متل ما عملوا في بيافرا. فهناك المارشال غوان طلع رجّال وخلّص باله من هذه الرواية" (صفحة 148)؛ "المعركة عسكريّة. كيف عملوا في بيافرا؟ جاؤوا وكسروا جيش بيافرا وانتهت المسألة" (صفحة 158). أقول إن الأبدان تقشعرّ لأن سعي أقليّة الايغبو المسيحيّة بمنطقة البيافرا الجنوبيّة/الشرقيّة النيجيريّة للانفصال عن نيجيريا المسلمة عام 1967 انتهى بجينوسيد إثر هجوم عسكري على البيافرا، وحصار أدّى عام 1970 لقتل ما بين نصف مليون وثلاثة ملايين من أهلها. إبادة مسيحيّي نيجيريا بالبيافرا من طراز جرائم إبادة مسيحيّي تركيا مطلع القرن العشرين، وإبادة يهود أوروبا بالهولوكوست، وإبادة أقليّة التوتسي لاحقًا برواندا. أن يكون كمال جنبلاط أشار بإعجاب مرّتين إلى سيناريو البيافرا مرعبًا، لا سيّما وأنه أشاد أيضا بمجزرة 1860 بقوله "ارتحنا" بعدها. ويكتسب كلام جنبلاط عن البيافرا و1860 أهميّة خاصّة على ضوء مجزرة الدامور التي سبقت لقاءه الأسد بشهرين فقط (كانون الثاني 1976). الكلام عن ذبح المسيحيّين لم يكن مجرّد مبالغات لفظيّة.  

في الجزء القادم: هل كان كمال جنبلاط ممانعًا؟