في لبنان، حيث تختلط الصلاحيات بالنفوذ، وتضيع الحقيقة بين البيانات المتناقضة، تبرز قضية الشاب محمد حرقوص كنموذج جديد عن هشاشة منظومة التوقيف والمساءلة. شاب خرج من منزله ولم يعد، لينتهي به الأمر جثةً في براد المستشفى العسكري، فيما تتصارع الروايات حول من أوقفه، وأين احتُجز، وكيف مات.
توقيف غامض وبداية الضياع
قبل أيام، تم توقيف محمد حرقوص في ظروف لا تزال غير واضحة المعالم. منذ اللحظة الأولى، دخلت عائلته في دوّامة من الضياع، مع غياب أي معلومة رسمية تحدد الجهة التي نفذت التوقيف أو مكان احتجازه.
بحسب والد الضحية، فرح حرقوص، علمت العائلة من زوجة محمد أن عناصر قامت باقتياده بالقوة. وعلى هذا الأساس، بدأ الأب رحلة بحثه، متوجّهًا إلى مراجعة عدد من المسؤولين في حزب الله، متهمًا الحزب بخطف ابنه، في ظل غياب أي توضيح رسمي.
مستشفى… ثم مخفر… ثم نفي
في سياق البحث، توجّه الأب إلى مستشفى الرسول الأعظم طالبًا الاطلاع على تسجيلات كاميرات المراقبة لمعرفة هوية الأشخاص الذين اقتادوا ابنه، إلا أن طلبه قوبل بالرفض، وفق روايته. بعدها، قصد أقرب مخفر لتقديم شكوى رسمية، حيث أُبلِغ بأن محمد موجود لدى مخابرات الجيش اللبناني.
غير أن هذا الخيط لم يصمد طويلًا، إذ تواصل الأب مع مخابرات الجيش التي نفت بدورها وجود محمد لديها، ما زاد من حالة الإرباك وطرح علامات استفهام حول مصير الشاب خلال تلك الساعات الحرجة.
الاتصال الصاعق
وبعد ساعات من البحث والتيه بين الجهات، تلقّى الوالد اتصالًا من المستشفى العسكري التابع للجيش، أُبلِغ فيه أن جثة ابنه موجودة في براد المستشفى، وعليه الحضور لاستلامها.
يقول الأب:
«كنا نفتّش عن ابني لدى حزب الله، ثم قيل لنا إنه لدى مخابرات الجيش اللبناني، وفي النهاية تبيّن أنه توفي، وقيل لنا إن السبب أزمة قلبية، وذلك بناءً على تقرير طبيبين شرعيين».
تقارير طبية متناقضة
غير أن هذه الرواية لم تُقفل الملف. فبحسب الأب، طالبت العائلة بتكليف طبيب شرعي ثالث، خلص تقريره إلى أن سبب الوفاة هو ضربة على الرأس، لا أزمة قلبية، ما أعاد القضية إلى نقطة الصفر، وفتح الباب أمام شبهات تعذيب أو عنف مفرط أثناء الاحتجاز.
المحامي حسن إبراهيم، وكيل العائلة، أكّد بدوره أن جسد محمد كان يحمل آثار كدمات واضحة، ما يتعارض مع فرضية الوفاة الطبيعية، ويستوجب تحقيقًا قضائيًا مستقلًا لتحديد مصدر هذه الإصابات وتوقيتها.
اتهامات ومطالب واضحة
على ضوء تضارب المعطيات، وجّه والد الضحية اتهامات مباشرة إلى حزب الله، متهمًا إياه بالتواطؤ مع مخابرات الجيش اللبناني في خطف ابنه وتعذيبه حتى الموت، وإخفاء الحقيقة. كما شدّد على أن محمد لا يملك أي سوابق أمنية، مطالبًا بتحديد الجهة التي نفذت التوقيف بدقة، ومحاسبة كل من يثبت تورّطه في وفاة ابنه.
الرواية الأمنية الرسمية
في المقابل، أفاد مصدر أمني أن محمد حرقوص أُوقِف منذ أيام بشبهة تزوير، وأنه بعد ساعات من توقيفه ظهرت عليه عوارض صحية استدعت نقله إلى المستشفى، حيث فارق الحياة لاحقًا.
إلا أن هذه الرواية، على أهميتها، لا تجيب عن الأسئلة الأساسية المتعلقة بتضارب التقارير الطبية، ولا عن آثار العنف الظاهرة على الجثمان، ولا عن سبب التناقض في تحديد الجهة التي كانت تحتجزه.
قضية تتجاوز فردًا
قضية محمد حرقوص لم تعد حادثة فردية، بل تحوّلت إلى ملف حقوقي يعيد فتح النقاش حول سوء المعاملة داخل أماكن الاحتجاز، وغياب الشفافية في الساعات الأولى بعد التوقيف، وهي المرحلة الأخطر في حياة أي موقوف.
أسئلة القضاء
حتى الآن، تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة:
• من نفّذ توقيف محمد حرقوص؟
• أين احتُجز فعليًا؟
• أي تقرير طبي يعكس الحقيقة؟
• ومن يتحمّل مسؤولية وفاته؟
بين رواية العائلة، والتقارير الطبية المتناقضة، والبيانات الأمنية، يقف القضاء أمام اختبار حاسم. فإما كشف الحقيقة كاملة، أو إضافة اسم جديد إلى سجلّ قضايا تُقفل ضد مجهول.
وفي بلدٍ يطالب أهله بالحدّ الأدنى من العدالة، يبقى دم محمد حرقوص سؤالًا مفتوحًا في وجه الدولة: هل ستُعرف الحقيقة… أم يُطوى الملف كغيره؟