بينما كانت المنطقة العربية تغلي على صفيح ساخن قبيل العام 2011، لم تكن طموحات جيفري إبستين تقتصر على قصوره في نيويورك وجزره الخاصة. بل كشفت وثائق مسربة حديثاً عن اهتمامات جيوسياسية من نوع آخر، تتقاطع فيها صفقات البنوك برغبات مظلمة، وتمر عبر قنوات نفوذ لرجال أعمال سوريين ولبنانيين.
تُظهر رسائل البريد الإلكتروني المؤرخة في تموز 2010، نقاشاً محموماً بين إبستين ورجل أعمال لم تُكشف هويته بالكامل بعد، لكنه يبدو خبيراً بخبايا المنطقة وسياساتها. لم يكن الحديث عن استثمار عابر، بل عن خطة لشراء بنوك في مصر وسوريا ولبنان.
وصف المرسل لبنان وسوريا بأنهماالنقاط الساخنة القادمة للاستثمار، لكن الجانب الأكثر صدمة في المراسلات هو المقايضة الضمنية بين المال والمتعة. ففي نص صريح ومقزز، كتب المرسل لإبستين
"لدي اتصال جيد في سوريا وفيق سعيد ولكن الجنس في لبنان أفضل."
هذه الجملة لا تعكس فقط نظرة تسليعية للمنطقة، بل تكشف كيف كان النفوذ المالي يُستخدم كجواز مرور للوصول إلى شبكات استغلال تحت مسمى الاستثمار.
في أكتوبر 2010، تضمنت المراسلات دعوة لإبستين لحضور عشاء مخصص للمصارف اللبنانية في واشنطن. رد إبستين ببرود ينم عن رغبة في الانتقاء، متسائلاً، "لماذا؟ هل يُعتبر أحدهم لطيفاً؟ أعطني رقماً."
هذا التساؤل يفتح الباب أمام تساؤلات حادة من هم المصرفيون اللبنانيون الذين كان إبستين يسعى لربط اسمه بهم؟ وهل كانت المنظومة المصرفية اللبنانية، التي اشتهرت بالسرية لسنوات، تمثل الملاذ الآمن لغسيل أموال إبستين أو تمويل نشاطاته المشبوهة؟
يبرز اسم وفيق سعيد في صلب هذه المراسلات كمفتاح للنفوذ في سوريا. سعيد، رجل الأعمال السوري-السعودي-الكندي، ليس غريباً عن عالم الصفقات الكبرى، فهو الوسيط الشهير في صفقة الأسلحة البريطانية السعودية اليمامة العام 1985.
ورغم مواقفه السياسية المعارضة للنظام السوري، إلا أن اسمه ارتبط في هذه الوثائق ببيئة إبستين. ومن المفارقات النقضية، أن بنك بار Barclays البريطاني أغلق كافة حسابات سعيد في العام 2016 تحت ذريعة مكافحة تبييض الأموال، وهو ما دفعه لمقاضاة البنك حينها. ظهور اسمه في ملفات إبستين اليوم يضيف طبقة جديدة من الغموض حول طبيعة العلاقات التي كانت تُنسج خلف الأبواب المغلقة.
هذه المراسلات لا توثق فقط محاولات إبستين للتمدد في الشرق الأوسط، بل تفضح عقلية النخبة التي ترى في بلداننا مجرد ساحات لغسل الأموال أو مراكز لتلبية الرغبات المنحرفة. إنها صرخة نقدية ضد نظام مالي وسياسي سمح لأسماء مشبوهة مثل إبستين بأن تجد لها مكاناً على طاولة المصارف اللبنانية والوساطات السورية.