سلام بحظر نشاطات الحزب و بري يرفع الغطاء

يمر لبنان اليوم باختبار الوجود لا الحدود فحسب. فبينما يشتعل الجنوب بغارات تقضم ما تبقى من قواعد الاشتباك، وتتحرك البوارج الدولية كشارل ديغول لترسم حدوداً جديدة للمتوسط، انفجرت في بيروت قنبلة سياسية من العيار الثقيل، الدولة قررت، لأول مرة، أن تسترد مفاتيح بيتها.
لم يكن موقف رئيس الحكومة نواف سلام الأخير مجرد تصريح عابر لامتصاص الغضب الدولي، بل بدا وكأنه إعلان استقلال جديد من داخل السرايا الحكومية. فحين يعلن رئيس السلطة التنفيذية حظر نشاطات الحزب التي تخرج عن عباءة الدولة، فهو لا يواجه فصيلاً مسلحاً فحسب، بل يواجه إرثاً من ازدواجية السلطة استمر لعقود. فهل تملك الحكومة الأنياب التنفيذية لترجمة هذا الحظر؟ إن قرار منع طائرات الدرونز والتلويح بالملاحقة القانونية يعكس رغبة حقيقية في حصر السلاح، لكنه يضع الجيش والقوى الأمنية في مواجهة مباشرة مع واقع ميداني معقد، مما يجعل القرار بين فكي كماشة، هيبة الدولة المشتهاة، وواقع الأرض المتفجر.
لعل التحول الأكثر دراماتيكية وصدمة في المشهد كان موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري. فأن يرفع الأخ الأكبر وضابط إيقاع التوازنات الغطاء السياسي عن الحزب، يعني أننا أمام زلزال في بنية الثنائي التي حكمت التوازنات الطائفية والسياسية لسنوات طويلة.
هذا الانكفاء من بري نحو منطق الدولة الصرف يشي بأن كلفة تغطية مغامرات الحزب العسكرية باتت تفوق قدرة الداخل على الاحتمال، وربما فاقت حتى القدرة على المناورة الإقليمية. رفع الغطاء هذا ليس مجرد موقف سياسي، بل هو نزع للشرعية الشعبية والميثاقية عن أي عمل عسكري لا يمر عبر القنوات الرسمية.
وبينما يُؤجل مؤتمر دعم الجيش في باريس وتتوسع رقعة النزوح، يجد لبنان نفسه أمام معادلة صفرية. الموقف الحكومي المدعوم برفع غطاء بري وضع الحزب في عزلة سيادية داخلية خانقة.
لكن، أين تكمن الخطورة؟ الخطورة تكمن في أن الانكشاف السياسي للحزب قد يدفعه نحو مزيد من التصعيد الميداني للهروب إلى الأمام، أو قد يفتح الباب أمام صدام داخلي لا يريده أحد. إن نقد هذا المشهد يحتم علينا الاعتراف بأن الدولة اللبنانية، رغم جرأة قراراتها، لا تزال تتحرك في حقل ألغام، فهي تحاول استعادة قرار الحرب والسلم في لحظة الاشتعال الكامل، وهو توقيت متأخر لكن ضروري.
ما يجري اليوم هو اختبار إرادات صريح. هل تنجح مؤسسات الدولة في تحويل قرار الحظر ورفع الغطاء إلى واقع ملموس يحمي اللبنانيين من الانزلاق؟ أم أن لبنان سيبقى مجرد ساحة بانتظار تسويات الكبار؟
الثابت الوحيد أن لبنان ما قبل قرارات سلام وبري ليس كما بعده. لقد كُسر المحظور السياسي، وباتت المواجهة اليوم بين دولة تبحث عن هويتها وقوى تحاول الحفاظ على دورها العابر للحدود. وفي قلب هذه العاصفة، يبقى المواطن اللبناني هو من يدفع فاتورة الاختبار السيادي من أمنه ودمه وأرضه.