بينما يغرق اللبنانيون في دوامة البحث عن ودائعهم المتبخرة، تبرز في الكواليس ملامح هندسة جديدة لاقتصاد ما بعد الانهيار، بطلها رجل الأعمال الفرنسي-اللبناني رودولف سعادة، مالك عملاق الشحن العالمي (CMA CGM). فخلف الأبواب الموصدة، يدور حديث عن صفقات كبرى قد تعيد رسم خريطة الملكية العامة والخاصة في لبنان، وسط تساؤلات مشروعة، هل نحن أمام إنقاذ اقتصادي أم خصخصة قسرية لأصول الدولة؟
كشفت معلومات مسربة مؤخراً عن بدء مفاوضات توصف بالسرية للغاية بين مصرف لبنان وشركة (CMA CGM)، تهدف إلى تقييم أصول شركة طيران الشرق الأوسط (MEA) تمهيداً لبيع حصص فيها. ورغم النفي الرسمي الذي صدر عن المركزي مؤخراً لوأد هذه الأنباء، إلا أن التقارير تشير إلى أن سعادة -المقرب من الإليزيه- يضع الناقل الوطني نصب عينيه منذ مدة طويلة كقطعة جوهرية في إمبراطوريته اللوجستية المتنامية.
تأتي هذه التحركات في سياق نقد حاد لسياسة مصرف لبنان، فبدلاً من تحميل الدولة وأصحاب المصارف المسؤولية المباشرة عن الانهيار، يبدو أن التوجه يميل نحو تسييل الأصول الوطنية لتعويض جزء من الودائع. هذا المسار يضعنا أمام مفارقة خطيرة، تسييل المؤسسات الرابحة مثل الميدل إيست اي حرمان الخزينة من إيرادات مستقبلية مستدامة، مقابل سد فجوة مالية تسبب بها سوء الإدارة، مما يجعل المواطن هو الخاسر الأكبر في عملية تصفية ممتلكاته السيادية.
لا يقتصر طموح سعادة على الجو، فخريطة الاستحواذات التي نُفذت أو يجري التحضير لها تعكس رغبة في السيطرة على مفاصل الحياة اليومية للبنانيين، قطاع التوزيع، فتوقيع اتفاقية مبدئية في كانون الاول 2026 للاستحواذ على مجموعة فتّال، أحد أقدم وأكبر موزعي السلع في لبنان.
الأمن الغذائي فالسيطرة السابقة على شركة الرفاعي، ومصنع شوكولا سوشيه، إضافة إلى حصة وازنة (15%) في سلسلة سوبر ماركت سبينس.
اللوجستيات والبريد فوضع اليد على مراكز تخزين ضخمة في البقاع، والمنافسة الشرسة على مناقصة ليبان بوست.
حيث تمدد مجموعة سعادة في ظل فراغ سياسي وانهيار مالي يطرح إشكالية كبرى حول احتكار القطاعات. فبينما يُروج لهذه الاستحواذات كاستثمارات لالصمود، يرى مراقبون أنها استغلال لضعف الدولة للاستحواذ على أصول بأسعار بخسة مقارنة بقيمتها الفعلية.
فانتقال لبنان من دولة المؤسسات إلى دولة الشركات التي يسيطر عليها أفراد بظهير دولي، يضع استقلال القرار الاقتصادي على المحك، ويجعل من استعادة أموال المودعين مجرد ذريعة لتمرير أكبر عملية نقل للملكية في تاريخ البلاد الحديث.