في عالم الاستخبارات والحروب الخفية، الصدفة هي عملة نادرة، لكن بالنسبة لخليفة قاسم سليماني، الجنرال إسماعيل قاآني، يبدو أن الصدفة قد أصبحت قانوناً يحكم حياته. فبينما تتهاوى رؤوس قادة المحور واحداً تلو الآخر في عمليات اغتيال دقيقة، يبرز اسم قاآني كعلامة استفهام كبرى، الرجل الذي ينجو دائماً، ويغادر مسرح الجريمة قبل دقائق من تحوله إلى حطام.
تبدأ فصول الحظ الأسطوري في سبتمبر 2024، ففي اللحظات الحرجة التي سبقت الضربة الإسرائيلية العنيفة التي استهدفت المقر المركزي للحزب في ضاحية بيروت الجنوبية، كان قاآني هناك. تشير المعلومات إلى أنه غادر الموقع قبل دقائق معدودة من الانفجار الذي أودى بحياة الأمين العام حسن نصر الله، ليخرج قاآني من بين الأنقاض الافتراضية بصفته الناجي الوحيد الذي أفلت من عملية كانت تهدف لمحو القيادة بالكامل.
لم يتوقف الأمر عند بيروت، ففي مواجهات يونيو 2025 الدامية بين إيران وإسرائيل، سقطت نخبة من كبار القادة العسكريين الإيرانيين في ضربات جوية مركزة. وسط هذا الدمار الهائل، تكرر المشهد ذاته، قاآني ينجو مجدداً، ويخرج سالماً من سلسلة هجمات قتلت أقرب رفاقه ومساعديه، مما عزز لقبه غير الرسمي في الأوساط الاستخباراتية بالرجل الأكثر حظاً في العالم.
تصل الإثارة إلى ذروتها في الضربة الأخيرة،حين استهدفت غارات إسرائيلية-الأميركية مشتركة قلب العاصمة طهران. هذه العملية لم تكن عادية، إذ أدت إلى مقتل المرشد علي خامنئي ومجموعة من كبار المسؤولين. وبشكل يثير الريبة، كان قاآني متواجداً في المكان نفسه أو على مقربة شديدة منه، لكنه كالعادة غادر الموقع قبيل بدء الهجوم بلحظات.
فهل هو توفيق إلهي أم تنسيق خفي؟
هذه السلسلة المتكررة من النجاة الإعجازية لم تعد تمر مرور الكرام، بل أثارت موجة عارمة من التساؤلات والشكوك التي تتجاوز مفهوم الصدفة، يراها البعض توفيقاً إلهياً أو حظاً عاثراً للمهاجمين الذين يخطئون توقيته في كل مرة. بينما يذهب المحللون والنقاد إلى أبعد من ذلك، متسائلين عما إذا كان هناك دور لأجهزة استخباراتية دولية تضمن سلامته لأهداف غير معلنة.
فهل هناك قنوات خلفية أو تنسيق سري يضمن بقاء قاآني كخيط رفيع وسط هذا الصراع المحتدم؟
وبين صورة البطل الخارق التي تروجها بعض الحسابات، وصورة الرجل الغامض الذي يثير الشكوك، يظل إسماعيل قاآني اللغز الأكبر في الصراع الإقليمي الراهن. هل هو ناجٍ ببراعته، أم هو جزء من لعبة شطرنج كبرى تقتضي بقاءه على قيد الحياة بينما يتساقط الجميع من حوله؟