في خطوة لم تكن مجرد إجراء تقني أو استجابة لظروف استثنائية كما حاول مهندسوها تسويقها، سددت القوى السياسية اللبنانية طعنة جديدة لجوهر النظام الديمقراطي. حيث أن قرار تمديد ولاية مجلس النواب لسنتين إضافيتين ليس سوى انقلاب صريح على الدستور، وتكريس لسياسة الهروب من لحظة الحقيقة أمام الناخبين.
لم يكن غريباً أن تلتقي مصالح كتل برلمانية متناقضة أحياناً لتمرير هذا التمديد. من الحزب وحركة أمل، إلى الحزب التقدمي الاشتراكي وكتلة الاعتدال الوطني وبعض النواب المستقلين، تجمعت هذه القوى تحت سقف واحد، ليس حرصاً على استقرار البلاد، بل خوفاً من غضب الشارع. الدافع الحقيقي واضح كالشمس، حماية الذات من تداعيات أي تغيير في موازين القوى قد تفرزه صناديق الاقتراع، وتحصين الحزب تحديداً من أي تحول في المزاج الشعبي اللبناني.
بشحطة قلم، تحول المجلس النيابي من وكيل عن الشعب إلى سلطة تقرر البقاء في الحكم رغماً عنه. هذا التمديد يضرب المبدأ الدستوري الأهم دورية الانتخابات. إنها عملية مصادرة علنية لحق المواطن في اختيار ممثليه ضمن المهل القانونية، وتحويل لمجلس يُفترض أن يمثل الناس إلى أداة لتثبيت كراسي السلطة.
الأخطر في هذا التوقيت هو أن الانتخابات كان يُفترض أن تكون محطة الحساب الكبرى. فبعد سنوات من الانهيار المالي والاقتصادي الممنهج، وسلسلة السياسات التي دفعت بلبنان إلى أسوأ أزمة في تاريخه، كان من المفترض أن يقول الشعب كلمته. لكن السلطة، وبدلاً من مواجهة الناس، اختارت الطريق الأسهل، التمديد لنفسها بالاستقواء بالقوة التشريعية.
ما جرى يشكل سابقة خطيرة في الحياة السياسية اللبنانية، فهو يكرس منطقاً مفاده أن السلطة تملك الحق في تجديد شرعيتها لنفسها متى شاءت. وإذا مرّ هذا القرار دون مواجهة دستورية وسياسية حازمة، فإننا أمام مشهد بائس يتحول فيه النظام الديمقراطي اللبناني إلى مجرد هيكل فارغ بلا روح أو مضمون.
أمام هذا الواقع، لم يعد التحرك الفوري مجرد خيار، بل أصبح ضرورة وطنية. الكرة الآن في ملعب النواب المعارضين والكتل الرافضة لهذا النهج، حيث يقع على عاتقهم التوجه فوراً إلى المجلس الدستوري للطعن في قانون التمديد وإسقاطه. هذا القانون لا يتعارض فقط مع روح الدستور، بل ينسف المبادئ الأساسية التي قامت عليها الحياة البرلمانية في لبنان.
السؤال الذي يطرحه الشارع اليوم: هل تنجح القوى المعارضة في كبح جماح هذا الانقلاب، أم أن السلطة نجحت فعلياً في إغلاق أبواب التغيير حتى إشعار آخر؟