في توقيت يغلي فيه الميدان اللبناني تحت وطأة نيران لا تهدأ، خرج رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، في إطلالة إعلامية مدوية ، ليرسم ملامح مرحلة جديدة من المواجهة السياسية. لم تكن تصريحات سلام مجرد جردة حساب لخسائر الحرب، بل كانت بياناً استقلالياً يضع الدولة في مواجهة مباشرة مع الأجندات الإقليمية، معلناً نهاية زمن الغموض البناء في علاقة السلطة بالسلاح غير الشرعي.
بصراحة لم نعهدها من رؤساء الحكومات، وضع سلام النقاط على الحروف بتوصيفه أن الحرب فُرضت على لبنان وليست خيارنا. وبنبرة نقدية لاذعة، وجّه أصابع الاتهام إلى الجهات التي جرّت البلاد إلى الهاوية، متمنياً لو أن من أدخلنا في هذه المواجهة قد تحلى بالعقلانية قبل المقامرة بمصير شعب بأكمله.
ولم يكتفِ سلام بالتوصيف السياسي، بل قدم معادلة النزوح المؤلمة، كاشفاً أن كل صاروخ من صواريخ الحزب الستة التي أطلقت في 2 مارس كان ثمنه 10 آلاف نازح لبناني. هذا التصريح يعكس حجم الفجوة بين أوهام الإسناد وواقع الانهيار، حيث تجاوز عدد النازحين حاجز الـ 900 ألف، ما يضع الحزب في مواجهة مباشرة مع بيئته والداخل اللبناني.
فجّر سلام قنبلة سياسية من العيار الثقيل حين أكد أن عناصر من الحرس الثوري الإيراني يقودون العمليات العسكرية مباشرة من داخل لبنان. والأخطر هو كشفه عن أن هؤلاء العناصر يقيمون بجوازات سفر مزورة، واصفاً وجودهم بغير الشرعي وبأنه قيد التنفيذ لإخراجهم.
هذا الاعتراف الرسمي بوجود قيادة إيرانية ميدانيةوخاصة بعد مقتل المرشد علي خامنئي في شباط الماضي يضع الحزب في زاوية حرجة، ويؤكد أن الحكومة اللبنانية قررت رفع الغطاء عن أي نشاط يمس بالسيادة، معتبرة أن اللبنانيين ليس من واجبهم الثأر لخامنئي على حساب أمنهم.
وفي خطوة وُصفت بأنها انقلاب ناعم من داخل المؤسسات، أعلن سلام سقوط مفهوم حظر التفاوض مع إسرائيل، مؤكداً السعي لتشكيل وفد وطني جامع للتفاوض المباشر بهدف وقف النار والانسحاب الإسرائيلي الشامل. وتزامن ذلك مع قرارات حكومية حاسمة تضمنت، الحظر الفوري لجميع نشاطات الحزب الأمنية والعسكرية باعتبارها خارجة عن القانون، وإلزام الحزب بتسليم سلاحه للدولة وحصر عمله في المجال السياسي فقط، وتفكيك المواقع العسكرية شمال وجنوب الليطاني، وهو ما بدأ الجيش بتنفيذه فعلياً.
النقد الذي وجهه سلام لم يتوقف عند الحزب، بل طال الغرف السوداء التي تفبرك بيانات باسم ضباط الجيش لبث الفتنة، مؤكداً بوضوح: لن نخضع لابتزاز الحزب أو تهديداته بالحرب الأهلية. إن الدولة اليوم، حسب رؤية سلام، ترفض أن يكون لبنان صندوق بريد أو منصة لإيذاء الدول العربية.
رغم الجرأة التي اتسم بها خطاب نواف سلام، يبقى السؤال النقدي الأهم، هل تملك الحكومة الأنياب التنفيذية لترجمة هذه القرارات؟ الجيش اللبناني بدأ فعلياً بتنظيف بعض المناطق، لكن المواجهة الكبرى تكمن في قدرة السلطة السياسية على الصمود أمام فائض القوة الذي لا يزال يتحصن خلف شعارات المقاومة، بينما يرى رئيس الحكومة أن الدولة هي الملاذ الوحيد الذي بقي للبنانيين وسط هذا الركام.