مملكة القرض الحسن… رهان الحزب المشتعل

في بلد انهار فيه النظام المصرفي وفقد اللبنانيون ثقتهم بكل البنوك، نشأت منظومة مالية موازية تعمل خارج الدولة، وتُعرف باسم القرض الحسن. ما بدأ كجمعية تقدم قروضاً صغيرة بلا فوائد تحوّل مع مرور السنوات إلى شبكة مالية واسعة تدير سيولة نقدية وذهباً ومدخرات لعشرات آلاف العائلات، بعيداً عن رقابة مصرف لبنان وعن أي نظام مصرفي رسمي.

هذه المؤسسة لم تعد مجرد مبادرة اجتماعية كما يُقدَّم خطابها، بل أصبحت عملياً بنكاً موازياً يعمل داخل بيئة مغلقة، خارج النظام المالي اللبناني وخارج قواعد الشفافية الدولية. من خلال هذه الشبكة، نجح الحزب في بناء منظومة مالية خاصة به، تربط شريحة واسعة من المجتمع مباشرة بخزائنه بدل ربطها بالدولة ومؤسساتها.

داخل هذه الخزائن وُضعت أموال صغيرة ومدخرات عمر ومصاغ نساء. كثير من اللبنانيين الذين فقدوا أموالهم في المصارف التقليدية وجدوا في القرض الحسن بديلاً أو ملاذاً أخيراً. لكن هذا الملاذ كان منذ البداية يعمل خارج أي ضمانات قانونية أو مصرفية معترف بها، ما جعل أموال المودعين عملياً داخل نظام مالي خاص لا تحميه مؤسسات الدولة.

ومع تصاعد المواجهة العسكرية في لبنان، انتقلت هذه المنظومة من الظل المالي إلى قلب الصراع. فقد طالت ضربات إسرائيلية مواقع مرتبطة بالقرض الحسن، ما أدخل خزائن الذهب ومدخرات المدنيين فجأة إلى معادلة الحرب. في لحظة واحدة، أصبح ما اعتبره الناس مكاناً آمناً لحفظ مدخراتهم جزءاً من ساحة المواجهة العسكرية.

المشكلة هنا لا تتعلق فقط بضربة عسكرية أو مؤسسة مالية، بل بنموذج كامل نشأ في لبنان خلال السنوات الماضية: اقتصاد موازٍ بُني خارج الدولة، يعتمد على شبكات خاصة تدير المال بعيداً عن النظام المصرفي الرسمي. وعندما يتحول المال إلى جزء من الصراع السياسي والعسكري، يصبح المواطن العادي أول من يدفع الثمن.

القرض الحسن اليوم ليس مجرد جمعية قروض، بل ظاهرة تكشف عمق الأزمة اللبنانية. دولة ضعيفة فقدت قدرتها على احتكار الوظائف المالية الأساسية، وقوى سياسية بنت شبكاتها الاقتصادية الخاصة، ومجتمع وجد نفسه مضطراً لوضع مدخراته في مؤسسات خارج النظام الرسمي.

في النهاية، يبقى السؤال الذي يواجه اللبنانيين جميعاً: عندما تغيب الدولة وتظهر بنوك موازية، من يحمي أموال الناس؟
في لبنان اليوم، قد يصبح الذهب الذي خُزن طلباً للأمان جزءاً من صراع أكبر بكثير من أصحابه، ويبقى المواطن مرة أخرى الحلقة الأضعف في معادلة المال والحرب