في مشهدٍ لافت استوقف المارة في قلب العاصمة اللبنانية، أطلّت عناصر سرية الخيالة التابعة لوحدة في قوى الأمن الداخلي، وهي تجوب شوارع وسط بيروت. هذه الخطوة، التي أُعلن عنها كجزء من تطبيق مبادئ الشرطة المجتمعية، تهدف إلى تعزيز حفظ الأمن والنظام وبث روح الطمأنينة في نفوس المواطنين. وقد لاقت المبادرة ترحيباً واسعاً من اللبنانيين الذين رأوا فيها نسمة من الرقيّ تعيد لبيروت شيئاً من ألقها المفقود.
لا شك أن هذه المبادرة تُمثل بداية حقيقية ومبشرة لمرحلة من التحسن الميداني، فمشهد الخيالة في الشوارع يكسر الجمود الأمني التقليدي ويخلق جسر تواصل إيجابي بين رجل الأمن والمواطن. هي محاولة جادة لإعادة الاعتبار لهيبة الدولة بأسلوب حضاري، يعكس رغبة حقيقية في الخروج من أزمات الروتين الأمني نحو آفاق أكثر حداثة.
ولكن، إذا أراد لبنان فعلاً استنساخ نماذج المدن والتحضر من دول أوروبا، فلا بد من الإدراك أن التحضر لا يُختصر في المشهدية أو الاستعراض فقط. فتقليد العواصم الكبرى في تسيير دوريات الخيالة يبقى ناقصاً، بل ومجرد قشرة تجميلية، ما لم يستند إلى أساسات صلبة من تطبيق القانون.
فالمواطن الذي رحّب بالخيالة، هو نفسه الذي يعاني يومياً من الفوضى المرورية العارمة. فمن غير المنطقي الحديث عن تحضر بينما، توجد إشارات المرور معطلة، حيث تغيب الأضواء عن التقاطعات الرئيسية، تاركةً السائقين في صراع البقاء للأقوى.
والبنى التحتية متهالكة، فطرقات تفتقر لأدنى مقومات السلامة، من إنارة غائبة وحفر تشكل خطراً داهماً.
فغياب الخطة القانونية الشاملة، لا يمكن للمظهر الجمالي أن يحل محل غياب خطة واضحة وحازمة لتطبيق القانون المروري والأمني على مدار الساعة، وليس فقط في الأماكن السياحية.
تبقى خطوة قوى الأمن الداخلي جميلة، وضرورية في سياقها النفسي والمعنوي، وهي فعلاً حجر زاوية في مسيرة التحسن التي نتمناها جميعاً. لكن، لكي لا تتحول هذه المبادرات إلى مجرد لقطات للذكرى على منصات التواصل الاجتماعي، يجب أن تترافق مع ثورة في إصلاح البنية التحتية وتفعيل صارم للقوانين.
التحضر الحقيقي يبدأ حين تعمل إشارات المرور بانتظام، وحين يُطبق القانون على الجميع بالتساوي، وحين تسير الخيول على طرقات تليق بكرامة المواطن وبسمعة بيروت كباريس الشرق. هي خطوة جيدة، لكنها تظل عطشى لسياسة قانونية شاملة تُعيد للدولة هيبتها الفعلية لا الشكلية فقط.