بينما تُسابق الدولة اللبنانية الزمن لالتقاط أنفاسها المنهكة وسط غبار الأزمات، وفي وقت تشتد فيه المساعي الدبلوماسية لتأمين الحد الأدنى من الاستقرار الذي يقي البلاد شر الانهيار الشامل، جاء خطاب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، ليفجر موجة من الجدل الصاخب والاعتراضات الرسمية والسياسية التي لم تتأخر في الظهور.
لم يكن الخطاب مجرد استعراض للقوة، بل اعتبره منتقدوه تجاوزاً صريحاً لتوجهات الدولة اللبنانية الرسمية. وفي قراءة نقدية لهذا المشهد، يبدو أن الخطاب قد وضع القرار الوطني في مواجهة مباشرة مع الأجندات الإقليمية، مما فتح الباب على مصراعيه أمام توترات داخلية كانت البلاد في غنى عنها وهي تحاول ترميم ما تبقى من هيكلها السياسي.
تكمن الخطورة -كما تصفها القوى المعارضة- في إصرار الخطاب على ربط مصير لبنان بمحاور إقليمية معقدة، وهي تبعات لا تملك الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الحالية، القدرة على تحمل أعبائها أو فاتورتها الباهظة. هذا الربط لم يكتفِ بإحراج الدبلوماسية اللبنانية فحسب، بل دفع بالبلاد مجدداً إلى حافة الخطر، معيداً طرح الأسئلة الوجودية الصعبة حول مفهوم السيادة الوطنية.
أعاد هذا الحراك السياسي النقاش إلى المربع الأول، أين تنتهي حدود الانخراط في صراعات الخارج، وأين تبدأ مصلحة لبنان العليا؟ إن حدة الاعتراضات الرسمية تشير إلى ضيق ذرع حقيقي بسياسة المغامرة التي قد تطيح بما تبقى من جسور مع المجتمعين العربي والدولي.
يجد لبنان نفسه اليوم في مفترق طرق خطير، فإما العودة إلى كنف الدولة والقرار الوطني الموحد، أو المضي في مسار المغامرة الذي يجعل من البلاد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الكبرى، بانتظار ما ستؤول إليه نتائج هذا التصادم بين منطق الدولة ومنطق المحور.