في وقتٍ يصارع فيه لبنان للبقاء على خارطة الاستقرار، فجّر إعلان عن حفلة موسيقية في قلب العاصمة بيروت صراعاً من نوع آخر، صراعاً يتقاطع فيه المقدس بالدنيوي، وتصطدم فيه الحرية الفنية بالخطوط الحمر للمشاعر الدينية. الحدث ليس عادياً، والبطل هذه المرة هو الكاهن البرتغالي بادري غيلهيرم، الذي يستعد لاعتلاء منصة ملهى AHM Club لتقديم عروض موسيقى الTechno والEDM.
لطالما أثار غيلهيرم الجدل عالمياً بأسلوبه الذي يمزج فيه بين رتبته الكهنوتية وشغفه بالموسيقى الإلكترونية الصاخبة، تحت شعار التقرب من الشباب بلغة العصر. إلا أن لغة العصر هذه اصطدمت في بيروت بجدار صلب من الرفض الكنسي والشعبي.
فالمعترضون لا يرون في هذا العرض فناً، بل تعدياً صارخاً على قدسية الكنيسة. فظهور كاهن بزيّه الديني الرسمي، وهو يتمايل خلف أجهزة الموسيقى في بيئة نايت كلوب، يُعتبر في نظر الكثيرين تشويهاً متعمداً للصورة الإيمانية الكنسية، وتحويل الرموز الدينية إلى مادة ترفيهية استهلاكية لا تليق بمكانتها.
لم يتوقف الجدل عند حدود الاستنكار عبر منصات التواصل الاجتماعي، بل انتقل سريعاً إلى أروقة المحاكم. فبحسب المستندات المسربة، تقدمت مجموعة وازنة تضم 18 شخصاً من بينهم رجال دين ومحامون وناشطون بعريضة قانونية أمام قاضي الأمور المستعجلة في بيروت. والعريضة التي ضمت أسماءً مثل الأب فرانسيس النداف، والأب موريس غابي الخوري، والمحامي محمد هولو زعيتر، وبول أنطوان جعجع، وغيرهم، تطالب بقرار فوري يمنع إقامة الحفل المقرر مساء السبت 10 كانون الثاني 2026. بحجة قانونية واضحة: مخالفة الأخلاق العامة، والمس بالمقدسات، وتشويه صورة وطقوس الديانة المسيحية.
الخطير في هذا الملف ليس فقط المسار القانوني، بل التهديد بالتصعيد الميداني. فتشير المعلومات المستقاة من كواليس المعارضين إلى أن الحفلة لن تمر مرور الكرام. فثمة حديث جدي عن قطع طرقات وحرق إطارات لمنع الوصول إلى الملهى في حال تقاعست السلطات عن التحرك.
هنا، يجد القضاء اللبناني نفسه أمام اختبار عسير، فهل ينتصر لمبدأ الحرية الفنية الذي يتسلح به المنظمون؟ أم يغلّب مقتضيات السلم الأهلي ودرء الفتنة التي قد تشتعل في حال تحول المحيط إلى ساحة مواجهة؟
لا شك أن بيروت كانت وستبقى عاصمة الحريات، لكن ما يغيب عن منظمي هذا الحفل هو فقه الأولويات في مجتمع حساس بطبعه تجاه الرموز الدينية. والإصرار على إقامة الحفل تحت شعار الحرية قد يُفهم من قبل شريحة واسعة على أنه استفزاز مباشر وتجاوز لخطوط السلم الأهلي وايمان شريحة كبيرة من اللبنانيين، تحت عناوين ترفيهية.
فهل تنجح الدولة في احتواء الموقف قبل ساعة الصفر يوم السبت، أم أننا أمام مواجهة جديدة ستعمق الشرخ الاجتماعي بين تيارين لا يلتقيان؟
حيث أنه بين صلاة الكنيسة وصخب الملهى، خيط رفيع اسمه الاحترام" يبدو أنه انقطع في زحمة الـTechno.