في الوقت الذي تضج فيه العاصمة اللبنانية بيروت بصراعات السياسة والأزمات، اقتحم الدي جيه الكاهن البرتغالي بادري غييرمي المشهد من باب القضاء هذه المرة، محققاً انتصاراً قانونياً مثيراً للجدل أعاد إلى الواجهة التساؤلات حول حدود الانفتاح، وحرية التعبير، وشكل الخطاب الديني المعاصر.
فقرار قضائي حسم الجدل
تحت عنوان "الكاهن رح يولّعها"، تصدرت صورة الأب غييرمي المنصات الإخبارية اللبنانية، عقب صدور قرار مفصلي من قاضي الأمور المستعجلة في بيروت. القرار جاء رداً قاطعاً برفض طلب منع إقامة الحفل الذي كان قد تقدّم به معارضون لهذا النوع من الفنون الكهنوتية. وبموجب هذا الحكم، ثبتت إقامة الحفل في موعده المحدد، ليكون الجمهور اللبناني على موعد مع تجربة موسيقية فريدة من نوعها.
لا يعد الأب غييرمي مجرد منسق موسيقى عادي، فهو الكاهن الذي جذب أنظار الملايين حول العالم، خاصة بعد مشاركته في أيام الشبيبة العالمية في البرتغال. يعتمد غييرمي في عروضه على دمج موسيقى التكنو والـMelodic House بلمسات روحية، محاولاً كسر الحواجز التقليدية بين المؤسسة الدينية وجيل الشباب. إلا أن هذا النهج الثوري اصطدم في بيروت بجدار من المحافظة الاجتماعية والدينية التي رأت في موسيقاه خروجاً عن الوقار المعهود لرجال الدين.
يطرح هذا النزاع القضائي تساؤلاً هاماً، فهل القضاء هو المكان المناسب لتقييم الذوق العام أو القداسة الدينية؟ فلجوء البعض للقضاء لمنع كاهن من ممارسة هوايته الفنية يعكس حالة من القلق تجاه التحولات الثقافية. ومع ذلك، فإن قرار قاضي الأمور المستعجلة جاء ليرسخ مبدأ الحرية في الفضاء العام، مشيراً ضمنياً إلى أن الفن — مهما كان شكل صاحبه أو خلفيته — لا يمكن تقييده بقرارات استباقية ما دام لا يخرق القوانين الأساسية.
ومن جانب آخر، يعكس إصرار الجهات المنظمة على المضي قدماً بالحفل رغبة في ترسيخ صورة بيروت كعاصمة للتنوع، تتقبل الكاهن الفنان كما تتقبل المفكر الثائر، رافضةً الانصياع لمحاولات الوصاية الأخلاقية التي غالباً ما تظهر في الأزمات.
فبينما كان البعض ينتظر إلغاء الفعالية، جاء الرد القانوني ليعيد الكرة إلى ملعب الجمهور. حفل الأب غييرمي سيقام، وسيكون الاختبار الحقيقي ليس في صخب الموسيقى، بل في قدرة المجتمع اللبناني على استيعاب نماذج تعبيرية تدمج بين المقدس والمعاصر في بوتقة واحدة.
بالتالي بيروت، التي لطالما كانت ساحة لصراع الأفكار، اختارت اليوم عبر قوس المحكمة أن تمنح الموسيقى فرصة أخيرة لتجمع ما فرقته التوجهات، مؤكدة أن الكهنوت والإيقاع يمكن أن يلتقيا تحت سماء واحدة، بعيداً عن مقصلة المنع.