في لحظة سياسية فارقة تتسم بالسيولة والتعقيد، خرج الرئيس جوزاف عون بموقف عالي النبرة، واضعاً النقاط على الحروف في أكثر الملفات لبنانيةً حساسية وإثارة للجدل. لم يكن تصريح عون مجرد قراءة عابرة للمشهد، بل جاء كبلاغ سياسي صريح يعلن فيه نهاية حقبة وبداية أخرى، واصفاً سلاح الحزب بعبارات لم تعتدها أدبيات المهادنة السياسية.
ينطلق عون في مقاربته من نقطة ارتكاز جوهرية، وهي الوظيفة. فبينما يتمسك حلفاء السلاح ومؤيدوه بنظرية توازن الرعب ردع العدو الإسرائيلي، يرى عون أن هذا الدور قد انتفى تماماً. وفي هذا السياق، يطرح عون تساؤلاً، فإذا كان السلاح عاجزاً عن حماية البلاد من الانهيار أو تأمين استقرارها الاستراتيجي في ظل المتغيرات الكبرى، فما هي جدوى بقائه؟
فأخطر ما جاء في مطالعة عون هو توصيفه لبقاء السلاح بالعبء. هذا المصطلح يخرج السلاح من دائرة القدسية العسكرية ليضعه في خانة الكلفة السياسية والوطنية. وبحسب التحليل، فإن هذا العبء يتجلى في
إضعاف مرجعية الدولة، حيث يمثل السلاح سلطة موازية تقوض قدرة المؤسسات الشرعية على بسط سيادتها، العزلة الدولية،حيث تحول لبنان إلى ساحة صراع بسبب أجندات مرتبطة بهذا السلاح، مما أثقل كاهل اللبنانيين اقتصادياً ودبلوماسياً، وتآكل الهيبة، حين يصبح السلاح موضوع نقاش حول جدواه بدلاً من كونه مصدر طمأنينة شاملة لكل المكونات.
لم يكتفِ عون بالهجوم، بل فكك المنطق الآخر بذكاء، فبينما يقر بأن البعض لا يزال يرى في هذا السلاح قدرة على الردع، فإنه يحسم الجدل بأن النتيجة النهائية لبقائه أصبحت سلبية على الكيان اللبناني. هي دعوة صريحة، وإن كانت مغلفة بالتحليل، للعودة إلى كنف الدولة والجيش اللبناني كخيار وحيد وأصيل للدفاع.
فتوصيف جوزاف عون للسلاح بأنه أصبح عبئاً هو بمثابة رمي حجر ثقيل في مياه السياسة الراكدة. هو موقف يضع القوى السياسية أمام مسؤولياتها، فهل يستمر لبنان في تحمل كلفة سلاح يراه البعض خارج الزمان والمكان؟ أم أن تصريح عون يمهد الطريق لمرحلة وطنية جديدة تطالب بترجمة انتفاء الدور إلى تسليم المهام للدولة اللبنانية وحدها؟
وبين الردع المزعوم و"لعبء الملموس، يبقى لبنان معلقاً على حبال التوترات، في انتظار لحظة الحقيقة التي جسدتها كلمات عون بوضوح لا لبس فيه.