طبول الحرب تُقرع… فهل أعلنت وول ستريت دخول المنطقة الحمراء؟

بين هدوء المشهد الميداني وضجيج الأروقة الدبلوماسية، لم تعد لغة التصريحات السياسية كافية لفهم ما يجري في منطقة الشرق الأوسط، بل باتت لغة السماء المتمثلة في بلاغات الملاحة الجوية ولغة الأرقام في بورصة نيويورك التي  هي المؤشر الحقيقي لمنطقة النزاع الوشيكة. فنحن اليوم أمام مشهد مؤتمت بدقة عسكرية، حيث تلتقي استراتيجية الضربة عن بعد الأميركية مع تكتيك الفخ المفتوح الإيراني، فيما يحبس العالم أنفاسه انتظاراً للفجر القادم.
حيث أنه في الحروب الحديثة، لا تتحرك الجيوش بمعزل عن مؤشرات وول ستريت. وتشير القراءة للمشهد إلى أن ساعة الصفر باتت تخضع لهندسة اقتصادية تهدف إلى تقليل الخسائر العالمية، فاختيار توقيت فجر السبت ليس عبثياً، فهو يمنح الأسواق العالمية مهلة تنفس لمدة 48 ساعة، لعطلة نهاية الأسبوع، مما يسمح بامتصاص الصدمة الأولى للنزاع واحتواء جنون أسعار النفط والذهب قبل إعادة فتح البورصات يوم الاثنين،.حرب مجدولة مالياً قبل أن تكون ميدانياً.
وعلى الضفة الإيرانية، تثير الخطوات الأخيرة تساؤلات عسكرية كبرى. فبينما يتم رصد هدوء تام في بعض المناطق، يرى المحللون في ذلك خداعاً بصرياً مدروساً. لتطهير مسرح العمليات، وسحب الأهداف المكشوفة، وإخلاء السماء لرصد أي تسلل معادٍ، كلها شواهد على أن طهران استعدت بمنصات صاروخية جاهزة ومموهة لا تحتاج لمناطق تدريب، بل لقرار إطلاق فقط، فالمؤشر الحاسم يبقى في لحظة التحول من الهدوء إلى إطلاق النار أو الحظر الشامل للمجال الجوي، وهي اللحظة التي تعلن رسمياً انطلاق المواجهة.
وبالتوازي، بدأت واشنطن بتحريك ذراعها الطويلة، فالأنباء المسربة عن إخلاء قاعدة العديد في قطر وهي قلب القيادة المركزية ليست مجرد إجراء وقائي، بل هي إشارة حمراء تعني توقع ضربة وشيكة ورغبة في تأمين الأصول البشرية من مدى الصواريخ الإيرانية التكتيكية، فالبديل الأميركي هو تفعيل محور غوام، والاعتماد على القاذفات الاستراتيجية (B-52) لشن ضربات عن بعد خارج النطاق التقليدي للاشتباك، وهو تحول جذري من استراتيجية الردع إلى الاشتباك الحركي.
وفي غرف التفاوض، تبدو الوساطة التركية وكأنها المحاولة الأخيرة لانتزاع فتيل الانفجار، فدخول أنقرة على الخط يعني وصول الأزمة لمرحلة كسر العظم. حيث أن المفاوضات لم تعد تدور حول الملف النووي بمفهومه التقليدي، بل انتقلت لتناقش تهديد الوجود والمصالح الحيوية.
فهل تنجح الدبلوماسية في فرض هدوء سياسي؟ أم أن القرار قد اتُخذ بانتظار ساعة الصفر؟
وبالتالي نحن الآن نعيش مرحلة القتال الصامت. فالقوات الأميركية أتمت المصفوفة القتالية وباتت في وضع الهجوم، والدفاعات الإيرانية في مناطق مثل جاسك انتقلت من مرحلة التدريب إلى الجهوزية القصوى، أي أن  بلاغ ملاحي جديد يصدر الليلة لن يكون مجرد تنبيه للطيارين، بل سيكون الصرخة الأولى لمواجهة قد تعيد رسم خارطة النفوذ في المنطقة. السؤال الآن ليس هل ستقع المواجهة؟، بل هل ستتحمل الأسواق العالمية تكلفتها يوم الاثنين؟.