في مشهد سياسي سريالي، تجد النائبة بولا يعقوبيان نفسها اليوم وسط عاصفة من الانتقادات التي لم تعد تقتصر على خصومها التقليديين، بل شملت جمعيات المودعين وناشطين وصحافيين رأوا في مواقفها الأخيرة انقلاباً على الشعارات التي رُفعت غداة انتفاضة 17 تشرين. فبين ليلة وضحاها، تحولت المحاسبة الشاملة في خطاب يعقوبيان إلى واقعية سياسية تبرر قانوناً يصفه المتضررون بأنه مجزرة مالية موصوفة.
تتمحور القضية حول قانون الفجوة المالية الذي تدافع عنه يعقوبيان، والذي يستند في جوهره إلى خطة حكومة نواف سلام. هذه الخطة، بحسب الأرقام المسربة والمصورة، تضع المودع أمام خيارين أحلاهما مرّ، تحويل الودائع إلى سندات بتجميد الأموال لفترات تتراوح بين 10 و20 سنة.
وشطب القيمة الفعلية، فالمودع الذي يملك مليون دولار، قد لا يحصل فعلياً إلا على 50 ألف دولار ككاش، بينما يتحول نصف الـ 100 ألف الباقية إلى سندات طويلة الأجل، ليتبخر ما تبقى من المبلغ في مهب الريح بلا قيمة قانونية أو شرائية
النقد الأقسى الذي وُجه ليعقوبيان يكمن في طريقة تسويقها لهذا القانون. فهي تظهر في فيديوهات التواصل الاجتماعي وهي تخيّر المودعين بين السيء والأسوأ، معتبرة أن هذا القانون هو خطوة قابلة للتحسين وليس نهاية المسار. لكن الناشطين، ومنهم جمعية صرخة المودعين، اعتبروا أن هذا المنطق ليس إلا عملية ابتزاز علني، حيث يتم إيهام المودع بأن خسارة 90% من ماله هي إنجاز مقارنة بخسارته بالكامل، في حين أن المصارف التي هربت أموالها إلى الخارج قبل الأزمة، لا تزال هي المتحكمة بالقرار السياسي والمالي.
لم يتوقف الأمر عند الجانب المالي، بل طال الأداء الصحافي والسياسي للنائبة. فقد شنّ الصحافي أحمد طه هجوماً لاذعاً عليها، متهماً إياها بالتعالي وتجاهل الأسئلة المشروعة. وبدلاً من مواجهة الصحافة بنقاش أرقام وحقائق، لجأت يعقوبيان إلى سياسة الاقتطاع من فيديوهات الناشطين الساخرين للرد على منتقديها، مما اعتبره مراقبون انحداراً في مستوى الخطاب السياسي وهروباً من مواجهة الحقيقة المرة.
السؤال الذي يطرحه الشارع اللبناني اليوم، هل تحولت بولا يعقوبيان إلى محامية تدافع عن خطة حكومية عاجزة عن محاسبة الفاسدين؟ فالدفاع عن قانون يبرئ المصارف ويحمّل المودع مسؤولية السرقة هو سقطة سياسية كبرى. فبينما تدعي يعقوبيان أن هذا الإجراء سيعيد لبنان إلى الأسواق المالية، يتساءل المودعونبأي ثمن؟ وهل تُبنى الاقتصادات على أنقاض جنى عمر الناس؟
فما يحدث اليوم ليس طي صفحة كما تدعي النائبة، بل هو محاولة لحرق الصفحة بما فيها من حقوق، تحت ستار الواقعية التي لم تجلب للبنانيين سوى مزيد من الفقر والارتهان للمنظومة نفسها التي ادعت يعقوبيان يوماً أنها جاءت لمحاربتها.