حكم قضائي: خليل وزعيتر عرقلوا القاضي بيطار

في لحظةٍ بدت وكأنها استعادة لروح القانون من أنياب التعطيل الممنهج، وجّه القضاء اللبناني ضربةً قاصمة لنهج المماطلة الذي خنق ملف انفجار مرفأ بيروت لسنوات. ففي السادس عشر من كانون الثاني 2026، لم يصدر مجرد حكم مالي، بل صدر بيان إدانة سياسي وقانوني وأخلاقي، وضع الوزيرين السابقين والنائبين الحاليين، علي حسن خليل وغازي زعيتر، في مواجهة مباشرة مع فاتورة باهظة لعرقلة العدالة.
الحكم الذي صاغته القاضية هانيا الحلوة، بمعاونة القاضيتين فاطمة بزي وجويل صقر في الغرفة الابتدائية السادسة، قضى بإلزام خليل وزعيتر بدفع تعويض مالي قدره عشرة مليارات ليرة لبنانية للقاضية دانيا الدحداح.
هذا المبلغ، وإن كان سيذهب في حال تنازل المدعية لصالح ضحايا الانفجار، إلا أنه يحمل دلالة جرمية لسلوك سياسي اعتمد على إساءة استعمال حق التقاضي. فالمحكمة لم تقتنع بأن سيل طلبات الرد ضد المحقق العدلي طارق البيطار كان يهدف لحماية حقوق الدفاع، بل وثّقت بوضوح وجود سوء نية ونيّة مبيتة لشلّ يد القضاء ومنع الوصول إلى الحقيقة.
يسلط هذا الحكم الضوء على الثغرة الأخلاقية والدستورية الكبرى في النظام اللبناني التذرع بالحصانات وفقا للمواد 70 و71. لسنوات، استُخدمت هذه المواد كمتاريس قانونية للاختباء من المثول أمام المحققين العدليين من فادي صوان ثم طارق البيطار.
النقد الموجه هنا يتجاوز النص القانوني إلى الروح فكيف يمكن لنائب يمثل الشعب أن يستخدم حصانته لمنع الشعب نفسه من معرفة من فجّر عاصمته؟ الحكم اعتبر أن لجوء المدعى عليهما لطلبات الرد المتكررة رغم رفضها مراراً من محاكم التمييز هو استغلال لثغرة في المادة 125 من قانون أصول المحاكمات المدنية، التي تفرض كف يد القاضي بمجرد تقديم الطلب. هنا، تحولت الحصانة من ضمانة للعمل التشريعي إلى أداة للهروب من المسؤولية الجنائية.
هل تكفي الغرامة المالية لردع التعطيل الممنهج؟
من الناحية القانونية الصرفة، الغرامة والتعويض هما الوسيلة الأساسية في دعاوى التعسف في استعمال حق التقاضي. لكن، بالنظر إلى فداحة الجرم عرقلة التحقيق في ثالث أكبر انفجار غير نووي في العالم، يرى خبراء قانونيون أن التعطيل الممنهج قد يتخطى حدود التعويض المالي في حالتين، المسؤولية المسلكية والسياسية فالحكم الحالي يثبت سوء النية، وهو ما يفتح الباب قانونياً أمام الطعن في أهلية هؤلاء المسؤولين لتولي مناصب عامة مستقبلاً، أو حتى ملاحقتهم بجرم عرقلة سير العدالة كجرم جزائي مستقل إذا ما توفرت الإرادة السياسية والقضائية.
 وإضفاء صفة التعجيل النافذ على الحكم يعني أن الهروب من الدفع لن يكون سهلاً، وهو إجراء يهدف لكسر غطرسة المماطلة بالقانون. وبالمقابل يمكن للنيابة العامة التمييزية، في حال رأت أن التعطيل يشكل جُرماً يمس بهيبة الدولة ومؤسساتها كما هو في ملف المرفأ، فيمكن أن  تلاحق المعرقلين جزائياً بتهمة عرقلة سير العدالة، وعندها لا تنتهي العقوبة بالمال بل قد تصل إلى السجن 3 سنوات وسقوط الحقوق المدنية أي المنع من الترشح أو تولي مناصب عامة.
الا ان هذا القرار ليس مجرد انتصار للقاضية الدحداح، بل هو انتفاضة قضائية ضد نهج تأميم الحقيقة. إنه يضع المعرقلين أمام حقيقة مرة فالحصانة قد تحميك من دخول قاعة التحقيق مؤقتاً، لكنها لن تحميك من دفع ثمن تعطيلك للعدالة.. نقداً، وقانوناً، وأمام التاريخ.