معركة الجرود الأخيرة .. الجيش يواجه عصابات الكابتغون

في الوقت الذي يسابق فيه لبنان الزمن لترميم صورته الدولية وتحصين أمنه المجتمعي، تبرز منطقة البقاع مجدداً كواجهة لصراع محتدم بين المؤسسة العسكرية وشبكات تصنيع المخدرات. العمليات الأمنية الأخيرة التي نفذها الجيش اللبناني لم تكن مجرد إجراءات ضبط عادية، بل كشفت عن تغلغل مخيف للاقتصاد غير الشرعي الذي يقتات على الأزمات.
في عملية وصفت بالجراحية، نجحت وحدات الجيش في اختراق معاقل التصنيع التقليدية في منطقة جوار الحشيش بالهرمل. لم تقتصر النتيجة على مصادرة المواد، بل تم ضبط معمل متكامل مخصص لتحويل المواد الكيميائية إلى سموم جاهزة للتصدير.
ولم تكن مديرية المخابرات بعيدة عن المشهد، حيث وسعت دائرة النار لتشمل منطقتي ألفون والحميرة، لتسفر المداهمات عن ضبط معمل آخر وكميات ضخمة من حبوب الكبتاغون والمواد الأولية. هذا التكرار في اكتشاف المعامل في بقعة جغرافية ضيقة يطرح علامات استفهام نقدية حول مدى ديمومة هذه الشبكات وقدرتها على إعادة بناء نفسها بسرعة فائقة عقب كل ضربة أمنية.
الأمن اللبناني لم يواجه آلات فحسب، بل واجه عناصر جرمية شديدة الخطورة. ففي بلدة إيعات ببعلبك، سقط في قبضة العدالة المطلوب (ص. ط.)، وهو أحد الأسماء التي ارتبطت بسجلات إطلاق النار على الدوريات العسكرية، وضبط بحوزته مسدس حربي، مما يؤكد أن حماية معامل المخدرات تتم عبر أذرع مسلحة لا تتوانى عن مواجهة الدولة.
وعلى مقلب آخر، كشف توقيف شخص من الجنسية السورية (ح. أ.) عند حاجز السفري وبحوزته مبالغ مالية مزورة، عن الوجه الآخر لهذه التجارة، تبييض الأموال والتزوير. هذا التداخل بين المخدرات والعملة المزيفة يشير إلى تشكل نظام مالي موازٍ يهدد ما تبقى من استقرار نقدي في البلاد.
رغم الجهد الجبار الذي يبذله الجيش، تظل القراءة النقدية للواقع تشير إلى فجوات تتجاوز الجانب الأمني، فاستمرار ضبط المواد الأولية في جرود الهرمل يثبت أن خطوط الإمداد عبر الحدود اللبنانية-السورية لا تزال تعمل، وهو ما يتطلب تنسيقاً حدودياً يتجاوز القدرات المحلية الحالية.
في ظل انهيار القطاعات الإنتاجية، تتحول هذه المعامل إلى رب عمل في المناطق النائية، مما يخلق بيئة حاضنة تجعل من المداهمات الأمنية حلاً مؤقتاً لا يعالج جذور الأزمة الاجتماعية.
وتحول المصنعين من المنشآت الضخمة إلى المختبرات الصغيرة المتنقلة يصعب من مهمة الرصد الجوي والميداني، مما يجعل الجيش في حالة مطاردة مستمرة لأشباح تقنية.
وُضع الموقوفون والمضبوطات في عهدة القضاء المختص، لكن معركة تطهير الجرود لا تزال في بداياتها. ونجاح المؤسسة العسكرية في ضبط معامل الهرمل وبعلبك هو رسالة قوة، لكنها تظل ناقصة ما لم تقترن بخطة تنموية شاملة للبقاع، وإرادة سياسية حازمة لإغلاق قوب الحدود نهائياً.