تحقيق – خطوط حمراء | Bluebird
بعد مرور عامٍ ونصف على الحرب التي حوّلت الجنوب إلى ساحة مواجهة مفتوحة، لا تزال تداعياتها تتفاقم بصمت ثقيل. لم يعد الدمار حدثًا طارئًا أو خبرًا عاجلًا، بل واقعًا يوميًا تعيشه آلاف العائلات التي عادت إلى قراها من دون أي ضمانات فعلية، ومن دون مسار واضح للتعويض أو إعادة الإعمار.
بحسب مصادر خاصة لمنصّة Bluebird Lebanon، فإن آلية التعويض المعتمدة حتى اليوم تعاني من ثغرات جوهرية، أبرزها غياب الشمولية والشفافية. فالتعويضات لا تشمل الأراضي الزراعية التي تشكّل مصدر رزق أساسيًا لعدد كبير من العائلات، ولا المؤسسات الصغيرة، ولا الآليات والمركبات التي دُمّرت خلال الحرب، فيما يقتصر الدعم في كثير من الحالات على مساعدات مالية محدودة لا توازي حجم الخسائر الفعلية.
وتشير المعطيات إلى أن جزءًا كبيرًا من المتضرّرين اضطر إلى العودة إلى منازل متضرّرة جزئيًا أو غير صالحة للسكن، مع الاكتفاء بترميمات مؤقتة على نفقته الخاصة. أمّا البنى التحتية، من كهرباء ومياه وطرقات، فلا تزال تعاني من الإهمال في عدد من القرى، ما يعيق أي محاولة جدّية للعودة إلى حياة طبيعية أو لإعادة تشغيل العجلة الاقتصادية المحلية.
لكن المعضلة الأعمق لا تكمن فقط في غياب التعويضات، بل في غياب الجهة التي تتحمّل مسؤولية الحرب نفسها عن نتائجها. فبحسب مصادر مطّلعة، فإن القوى التي خاضت المواجهة ووضعت القرى والبلدات في قلب المعارك لا تقدّم، حتى اليوم، أيّ تعويضات للمتضرّرين، ولا تتحمّل كلفة الدمار الذي لحق بالمنازل ومصادر الرزق.
وتلفت المصادر إلى أنّ ما يُقدَّم يقتصر في أحسن الأحوال على مساعدات ظرفية أو دعم جزئي، لا يرقى إلى مستوى التعويض الحقيقي، ولا يوازي حجم الخسائر، ما يترك الأهالي بين خيارين أحلاهما مرّ: إمّا العودة إلى بيوت غير صالحة للسكن، أو انتظار دعم لا يأتي.
وفي هذا السياق، جاءت الزيارة الأخيرة لرئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب، مترافقة مع إعلان رسمي عن انطلاق خطة للدولة، في خطوة أعادت طرح سؤال جوهري: من يتحمّل المسؤولية عندما تنتهي المعركة؟ الدولة التي تحاول ملء الفراغ، أم الجهة التي اتخذت قرار الحرب ولم تواكب نتائجها؟
مصادر ميدانية تشير إلى أن إعلان انطلاق الخطة، على أهميته، لم يُترجم حتى الآن إلى إجراءات تنفيذية واضحة، لكنّه عكس في المقابل تحوّلًا لافتًا في مزاج الأهالي، الذين يعبّرون بشكل متزايد عن توقٍ للعودة إلى حضن الدولة، لا بوصفها زائرًا سياسيًا، بل كمرجعية للحقوق، والتعويض، والمساءلة.
فبعد عامٍ ونصف من الانتظار، بات واضحًا لدى كثيرين أن منطق إدخال الناس في الحرب لم يترافق مع تحمّل تبعاتها. فالصمود رُفع شعارًا، لكن كلفة الصمود تُركت على كاهل الأهالي، فيما الجهة التي خاضت المواجهة لم تقدّم إطارًا واضحًا لتعويض الخسائر أو لإعادة الإعمار.
ويرى متابعون أن استمرار هذا الواقع يرسّخ معادلة خطيرة: تُتَّخذ قرارات الحرب خارج حياة الناس اليومية، لكن نتائجها تُلقى بالكامل على عاتقهم.
بعد عامٍ ونصف تقريبًا على الحرب، لم يعد السؤال محصورًا بإعادة البناء، بل بات أكثر حدّة:من يقرّر الحرب؟ ومن يدفع ثمنها ومن يتهرّب من كلفة ما قرّره؟
إلى أن تُطرح هذه الأسئلة بوضوح، سيبقى الجنوب معلّقًا بين ذاكرة الدمار وواقع الإهمال، فيما العدالة الحقيقية لا تبدأ بالإعمار فقط، بل بتحمّل المسؤولية، والمحاسبة، ومنع تكرار الكارثة