في مشهدٍ يختصر عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها القطاع التربوي في لبنان، انطلق اليوم الثلاثاء إضرابٌ شامل دعت إليه روابط التعليم الرسمي الثانوي والمهني والأساسي. الإضراب، الذي من المفترض أن يستمر لثلاثة أيام متتالية الثلاثاء، الأربعاء، والخميس، لم يكن مجرد توقف عن العمل بالمعنى التقليدي، بل كشف عن كواليس من التحايل الإداري الذي يضع مصداقية القطاع على المحك.
على الرغم من ضجيج الإضراب، رصدت مصادر ميدانية مفارقة غريبة، حيث تبيّن أن نسبة لا يستهان بها من المدارس الرسمية فتحت أبوابها اليوم. إلا أن هذا الفتح لم يكن بهدف استئناف العملية التعليمية، بل كان جزءاً من مناورة إدارية معقدة.
المعلومات المتقاطعة كشفت عن نمطٍ مثير للجدل في إدارة الأزمة، حيث قامت إدارات عدد من المدارس بإبلاغ الأهالي والطلاب بضرورة عدم الحضور والالتزام بالمنزل بحجة الإضراب.
كما انه في السجلات الرسمية المرفوعة لوزارة التربية في الوقت ذاته!
والسبب؟ تفادي خسارة بدلات النقل والمخصصات المالية التي ترتبط بفتح المرفق العام، في محاولة للجمع بين حق الإضراب ومكتسبات الحضور.
ولم يتوقف المشهد عند الإدارات، بل امتد لبعض الهيئات التعليمية. فقد أفادت التقارير بأن بعض الأساتذة حضروا إلى مراكز عملهم فقط لتسجيل حضورهم رسمياً، ثم غادروا فوراً دون إعطاء أي دروس. هذه الظاهرة التي وُصفت بالازدواجية، تهدف لضمان قبض بدل الحضور اليومي من جهة، ومواصلة الإضراب فعلياً من جهة أخرى.
ما يحدث اليوم ليس مجرد إضراب مطلبي لتحسين الرواتب، بل هو انعكاس لحالة من الفوضى المنظمة التي تنهش جسد التعليم الرسمي. حين تتحول المدرسة إلى ساحة للمناورة من أجل بدل نقل، ويصبح الطالب هو الحلقة الأضعف المغيبة عن فصوله الدراسية بقرار باطني، نكون أمام أزمة أخلاقية تسبق الأزمة المالية.
فبين مطرقة حقوق الأساتذة المهدورة وسندان التلاعب الإداري، إلى متى سيظل التعليم الرسمي في لبنان رهينة لسياسات الترقيع والالتفاف على القوانين؟