موازنة لبنان 2026: الإقرار في العتمة… والديمقراطية في اللايف
في بلدٍ يُدار بعقلية الارتجال المنظّم، أتحفنا مجلس النواب اللبناني العظيم بإقرار موازنة العام 2026. لم تكن جلسة عادية، بل كانت عرضًا مسرحيًا متكاملًا، بدأ بأكشن السجالات السياسية، وانتهى بفيلم رعب مالي، مرّ عبر بوابات الرقابة التي لم نكن نعلم أنها ما زالت حيّة تُرزق.
بدأت الجلسة كالعادة: نواب يتسابقون في عرض مهاراتهم الخطابية، يذرفون الدموع على المواطن الذي مات وشبع موتًا، وينتقدون سياسات الحكومة وكأنهم هبطوا من كوكب المريخ البارحة، وليسوا هم أنفسهم من اختار الحكومة ورئيسها.
وبينما المواطن اللبناني يحاول فهم كيف سيُسدّد ضرائب 2026 بجيوب عام 2019، حدثت المعجزة. أدرك المايسترو نبيه بري، بحسّه السينمائي المرهف، أن المشاهد اللبناني رقيق الإحساس ولا يحتمل رؤية تفاصيل الطبخة المالية وهي تحترق.
بكلمة سحرية واحدة، صدر الأمر: أوقفوا البث المباشر!
وفجأة، تحوّلت الشاشات إلى سواد دامس.
يبدو أن الديمقراطية اللبنانية تعاني من فوبيا الكاميرا حين يتعلّق الأمر بالأرقام الحقيقية. في تلك العتمة الإعلامية، حيث لا عين ترى ولا قلب يحزن، جرت الخلوة الشرعية بين السلطة والموازنة، ووُلد القانون بعيدًا عن أعين الشعب.
خرجت النتائج لتعكس انقسامًا يُشبه تقسيم الجبنة التاريخي:
59 نائبًا مؤيّدًا رفعوا أصابعهم بالموافقة، ربما ظنًّا منهم أنهم يصوّتون على منيو الغداء، أو لأنهم يؤمنون بأن الترقيع هو أفضل الممكن.
34 نائبًا معارضًا سجّلوا موقفًا للتاريخ وللانتخابات القادمة، مع علمهم اليقين أن الـ«لا» الخاصة بهم هي كالملح فوق الجرح: تُوجِع، لكنها لا تشفي.
11 نائبًا ممتنعًا… هؤلاء هم فلاسفة الندوة البرلمانية، اختاروا المنطقة الرمادية، فلا هم مع العمى ولا هم مع الضرر، هم فقط ينتظرون ليروا من أين ستُؤكل الكتف في المرحلة القادمة.
خرجت موازنة 2026 بـ«نعم» خجولة، وكأنها سارقة تتسلّل من الباب الخلفي لساحة النجمة. التحدّي الآن ليس في الورق الذي أُقِرّ، بل في جيوب المواطنين التي جفّت. الدولة تريد الجباية من مواطن يشتري الخدمات الأساسية من السوق السوداء، ويدفع للدولة ضريبة العدم.
أُقِرّت الموازنة في الظلام، تمامًا كما تُدار معظم شؤوننا.
ومبروك للبنانيين: أصبح لديكم الآن «كتاب أرقام» جديد، يمكنكم استخدامه للتدفئة في الشتاء القادم، طالما أن أمواله لن توفّر لكم لا كهرباء، ولا ماء، ولا صحة.