مطارق القضاء في مواجهة ميكروفونات النقد هل عادت سياسة تكميم الأفواه؟

في مشهد يعيد إلى الأذهان حقبات التضييق على الحريات الإعلامية، تحركت الماكينة القضائية اللبنانية دفعة واحدة ضد أصوات صحافية، واضعةً هيبة الرئاسة في كفة، وحرية التعبير في كفة أخرى.
بأمر من مدعي عام التمييز، القاضي جمال الحجار، ضجت الأوساط الإعلامية بخبر استدعاء الصحافي حسن عليق للمثول أمام المباحث الجنائية المركزية. الاستدعاء لم يكن وحيداً، بل ترافق مع إجراءات أكثر حزماً طالت الصحافي علي برو، الذي صدرت بحقه مذكرة توقيف عُممت على كافة الأجهزة الأمنية.
تُشير المعلومات المتقاطعة إلى أن الشرارة التي فجرت هذا المسار القضائي هي مقطع فيديو انتقد فيه عليق رئيس الجمهورية جوزاف عون. هذا النقد اعتبرته السلطات القضائية إساءة وتجاوزاً للخطوط الحمراء، مما استدعى تحريك دعاوى التهجم بحق عليق وبرو وآخرين لم تُكشف أسماؤهم بعد.
لم يتأخر رد الصحافي حسن عليق، الذي اختار المواجهة العلنية عبر منصة إكس. وبنبرة لا تخلو من التحدي، أكد عليق تلقيه بلاغ الاستدعاء لموعد يوم الجمعة، موجهاً انتقاداً لاذعاً للقاضي الحجار، متهماً إياه بالعمل كأداة بيد النائب رامي نعيم—الذي كان أول من بشّر بهذه الملاحقات.
وجاء في رسالة عليق "أنا مستعد للموت دفاعاً عن أهلي وقضيتي، فهل تعتقد أنك ستخيفني بالتهديد بالتوقيف؟ يا مرحباً بالسجون.. أعدك بأنني لن أصمت، لا عن سواك، ولا عنك."
يطرح هذا التصعيد تساؤلات جوهرية حول توقيت وأسلوب الملاحقة, لماذا تتحرك الأجهزة الجنائية فوراً عند انتقاد شخصية سياسية، بينما تنام الملفات الكبرى لسنوات؟
كما أن تحويل ملفات الصحافيين إلى المباحث الجنائية بدلاً من محكمة المطبوعات يُعد مؤشراً سلبياً على محاولة ترهيب الجسم الإعلامي. تلميح عليق بوجود تنسيق بين القضاء وأطراف سياسية كالنائب رامي نعيم يضع مصداقية القضاء في مهب الريح ويصوره كطرف في النزاع لا حكماً فيه. ملاحقة الصحافيين بناءً على آراء أو مقاطع فيديو تنتقد السلطة، لا تزيد السلطة هيبة، بل تزيد من اتساع الفجوة بين الشارع ومؤسسات الدولة. فهل تنجح السجون في إسكات الكلمة، أم أن الاستدعاء سيكون وقوداً جديداً لموجة غضب إعلامية لا تُحمد عقباها؟