في خضمّ الانهيار الذي يعيشه القطاع الصحي في لبنان، حيث تتراكم الأزمات من نقص الإمكانيات إلى استنزاف الكوادر وهجرة الأطباء، كان المنتظر من الجهات المعنية أن تركّز جهودها على حماية المهنة وصون كرامة الطبيب وتأمين الحد الأدنى من استمرارية هذا القطاع الحيوي. غير أن ما برز في الآونة الأخيرة يعكس توجّهًا مغايرًا، يتمثّل في التركيز على تقييد الظهور الإعلامي للأطباء، بدل العمل على تنظيمه وتطويره بما يخدم المهنة والمجتمع.
لا يمكن إنكار وجود تجاوزات فردية في استخدام المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي. هناك من قد يخرج عن الأطر العلمية أو يوظّف هذه الوسائل لأغراض تسويقية مبالغ فيها أو حتى مضلِّلة. وهذا أمر مرفوض ويستوجب المحاسبة الواضحة والصارمة ضمن أطر قانونية ومهنية شفافة. لكن في المقابل، لا يمكن القبول بمنطق التعميم الذي يضع جميع الأطباء في خانة الشبهة، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة تُبنى عليها قرارات تقييدية تمسّ جوهر دور الطبيب في المجتمع.
لقد تغيّر مفهوم التواصل الطبي في عصر التحوّل الرقمي. لم يعد الطبيب محصورًا داخل جدران عيادته، ولم يعد المريض ينتظر الاستشارة التقليدية ليحصل على المعلومة. اليوم، أصبحت المنصات الرقمية مساحة أساسية للتوعية الصحية، ومصدرًا أوليًا يلجأ إليه الناس لفهم أعراضهم وتوجيه قراراتهم. وفي هذا السياق، يشكّل حضور الطبيب المتخصص والملتزم علميًا عنصر أمان ضروري، يساهم في تصحيح المفاهيم والحد من انتشار المعلومات الخاطئة.
إن تقييد هذا الحضور لا يضرّ بالطبيب وحده، بل ينعكس مباشرة على المريض. فحين يُمنع الصوت العلمي الموثوق من الوصول، يُفتح المجال أمام محتوى غير متخصص، يفتقر إلى الدقة والمسؤولية. وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: بدل حماية المجتمع من التضليل، قد تؤدي هذه القيود إلى تعزيز انتشاره.
إن تنظيم الظهور الإعلامي للأطباء ضرورة، لكن التنظيم يختلف جذريًا عن التقييد. التنظيم يعني وضع معايير واضحة للمحتوى العلمي، تحديد ضوابط أخلاقية للممارسة الإعلامية، ومحاسبة من يخرج عنها. أما التقييد الشامل، فيعني عمليًا إضعاف دور الطبيب كمصدر للمعرفة، وتقليص مساهمته في نشر الوعي الصحي، وهو ما يتناقض مع أبسط مبادئ المسؤولية المهنية.
الطبيب ليس فقط معالجًا، بل هو أيضًا مرجع علمي في مجتمعه. ودوره لا يقتصر على التشخيص داخل العيادة، بل يمتد إلى التثقيف والتوجيه، خصوصًا في بيئة تعاني من نقص في الوعي الصحي ومن ضغوط اقتصادية تحدّ من قدرة المرضى على الوصول إلى الخدمات الطبية بسهولة. إن أي خطوة تحدّ من هذا الدور يجب أن تُعاد دراستها بعمق، لما لها من تداعيات تتجاوز الإطار المهني إلى البعد الاجتماعي والإنساني.
في النهاية، تبقى المسألة مسألة توازن: بين حماية المهنة من الاستغلال، وضمان حق الطبيب في التعبير العلمي، وحق المريض في الوصول إلى المعلومة الصحيحة. هذا التوازن لا يتحقق عبر المنع، بل عبر بناء إطار حديث ومرن، يواكب تطوّر وسائل التواصل ويستثمرها في خدمة الصحة العامة.
ففي زمن أصبحت فيه المعلومة في متناول الجميع، لا يمكن ضبطها بإغلاق الأبواب، بل بإدارتها بوعي ومس