تصدع البنيان المرصوص... النظام الإيراني عام 2026

يواجه النظام الثيوقراطي في إيران مع مطلع العام 2026 منعطفاً تاريخياً لم يعد فيه السؤال هل سيحدث التغيير؟ بل كيف ومتى سيكتمل". فبينما تحاول مؤسسة ولاية الفقيه الحفاظ على تماسكها الأيديولوجي، تبدو الفجوة بين الدولة والمجتمع أعمق من أي وقت مضى، حيث تحولت المطالب المعيشية إلى انتفاضة وجودية تستهدف رأس الهرم السياسي.

لقد دخلت المعارضة الشعبية في إيران مرحلة ما بعد الإصلاح. إن النقد الموجه اليوم للمرشد الأعلى، علي خامنئي، لم يعد مجرد رد فعل على سياسات اقتصادية فاشلة، بل هو رفض بنيوي لمفهوم الولي الفقيه نفسه. فتحويل السلطة المطلقة لشخص واحد على مدار عقود أدى إلى انسداد الأفق السياسي، فالمجتمع الإيراني الشاب، المنفتح رقمياً، بات يرى في هيكل الحكم الحالي عائقاً أمام الحداثة والاندماج العالمي، مما جعل شعار إسقاط النظام هو القاسم المشترك بين مختلف القوميات والطبقات الاجتماعية.
يمكن القول إن النظام الإيراني وقع في فخ العسكرة على حساب التنمية. فبينما تُنفق ميزانيات ضخمة على البرامج الصاروخية والأذرع الإقليمية، يعيش المواطن الإيراني تحت وطأة تضخم مفرط وعزلة دولية خانقة. هذا التباين خلق شعوراً بالاغتراب الوطني، فالشارع لم يعد يرى في المقاومة مشروعاً وطنياً، بل عبئاً اقتصادياً يُدفع ثمنه من استقرار وحياة الأجيال القادمة. إن الانهيار الأخير للعملة في 2026 لم يكن مجرد أرقام، بل كان الضربة القاضية للعقد الاجتماعي الهش بين السلطة والفقراء.
تتميز الاحتجاجات الحالية بتجاوزها لعقبة الخوف. فلجوء النظام إلى العنف المفرط، وعسكرة المدن الكبرى، وقطع الإنترنت، لم يعد يؤدي إلى الانحسار بل إلى الراديكالية. فكل صدام دموي يخلق رموزاً جديدة للثورة، ويزيد من عزلة النظام دولياً، خاصة مع عودة الضغوط القصوى من واشنطن. الخطورة الحقيقية على النظام اليوم تكمن في احتمالية حدوث انشقاقات داخل المستويات الدنيا من القوات الأمنية، التي باتت تجد صعوبة في مواجهة أهاليها وجيرانها في الشوارع تحت مبررات أيديولوجية لم تعد مقنعة.
يزيد من تعقيد المشهد حالة الغموض المحيطة بخلافة المرشد. فالنظام يبدو في حالة شلل استراتيجي، حيث تتصارع الأجنحة داخل الحرس الثوري والمؤسسة الدينية لضمان البقاء في مرحلة ما بعد خامنئي. هذا الصراع في القمة يشجع الشارع على الاستمرار، إدراكاً منه أن النظام في أضعف حالاته البنيوية، وأن الضغط الحالي قد يؤدي إلى انهيار كامل للمنظومة بدلاً من انتقال سلس للسلطة.
النظام الإيراني اليوم يواجه أزمة شاملة لا يمكن حلها بالمسكنات الأمنية أو الوعود الإصلاحية العابرة. والمطالبة بإسقاط علي خامنئي هي في جوهرها مطالبة باستعادة الدولة من يد الأيديولوجيا. وإذا استمر النظام في إنكار الواقع الاجتماعي والاكتفاء بلغة الرصاص، فإن الانفجار القادم لن يكون مجرد احتجاج، بل قد يكون إعادة صياغة جذرية لهوية إيران السياسية والجغرافية.