في وقتٍ يصارع فيه لبنان للبقاء على خارطة الإبداع رغم أزماته، سقطت اليوم ورقة علمية رابحة من شجرة العقول المهاجرة. فبين جدران منزله في فرنسا، وفي مشهدٍ يلفّه الهدوء الحزين، عُثر على عالم الذرة اللبناني، البروفيسور محمد علي مخيبر أيوب، جثة هامدة، لينهي بذلك مسيرة 15 عاماً من العطاء الأكاديمي في بلاد الاغتراب.
لم تكن بلدة الرياق البقاعية تتوقع أن يأتيها خبر ابنها البار محمولاً عبر وكالات الأنباء، وهو الذي غادرها شاباً طامحاً ليصبح رقماً صعباً في عالم الفيزياء والذرة. فالعثور على البروفيسور أيوب متوفىً في منزله يوم أمس، أثار موجة من التساؤلات المشروعة، خاصة وأن الراحل كان في أوج نشاطه المهني، مما جعل الغموض سيد الموقف في الساعات الأولى لانتشار الخبر.
فوسط حالة الذهول، نقلت مصادر مقربة من العائلة توضيحات تهدف إلى طمأنة المحبين ووضع النقاط على الحروف، حيث أشارت المعطيات إلى أن الوفاة ناتجة عن عارض صحي مفاجئ في القلب. وبحسب المصادر، فإن هذا العارض قد لا يكون وليد الصدفة، بل يعود إلى عوامل وراثية صحية معروفة لدى العائلة، مما يرجح فرضية الوفاة الطبيعية.
ومع ذلك، تلتزم السلطات الفرنسية بصرامتها المعهودة، حيث تخضع القضية حالياً لتحقيقات روتينية متبعة في حالات الوفاة المفاجئة، لضمان استكمال الملف القانوني قبل نقل الجثمان إلى مثواه الأخير في تراب الوطن.
قضية البروفيسور أيوب لا يمكن قراءتها كحادث وفاة عابر، بل هي تجسيد مأساوي لواقع العقل اللبناني. فنحن أمام عالم أمضى عقد ونصف من الزمن يبني مجداً علمياً في مختبرات فرنسا، بعيداً عن وطنٍ لم يستطع تأمين البيئة الحاضنة لمثل هذه الكفاءات الاستثنائية.
النقد هنا لا يوجه للأقدار، بل للواقع الذي يجعل علماءنا أرقاماً في سجلات الاغتراب، وجثامين في طائرات العودة. رحل محمد علي مخيبر أيوب بصمت، لكن موته يصرخ في وجه دولة تفرّط في أعمدتها العلمية، لتتركهم يواجهون قدرهم صحةً واغتراباً وحيدين خلف الحدود.
كم من أيوب يحتاج لبنان أن يفقد قبل أن يدرك أن ثروته الحقيقية ليست في المصارف، بل في عقول أبنائه المهاجرين؟