تحت ركامٍ كان قبل ساعاتٍ ملاذاً، تتنفس عائلة آل مير الصبر والوجع. في منطقة القبة - شارع الجديد، لم يكن سقوط المبنى السكني المؤلف من خمسة طوابق مجرد حادث عرضي، بل كان صرخة مدوية في وجه مدينة ينهشها الإهمال وتتآكل جدرانها بصمت، بانتظار كارثة معلنة سلفاً.
عند الساعة الثالثة فجراً، استيقظ حي القبة على دويّ لم يكن قصفاً، بل كان انهياراً كاملاً للحياة. فرق الإنقاذ التي تسابق الزمن، استطاعت حتى اللحظة انتشال سيدة على قيد الحياة، في مشهد سريالي وهي معلقة بخيوط الأمل بينما جسدها نصفه عالق تحت الأطنان. لكن، السؤال الذي يحبس أنفاس اللبنانيين، أين الأطفال الثلاثة؟ وأين الرجل الذي ضاع أثره بين الركام؟
تتعقد المهمة مع غياب المعدات الثقيلة، حيث تضطر فرق الدفاع المدني والمسعفون لاستخدام العمل اليدوي لرفع الأنقاض، وهو ما يكشف عري الدولة وإمكاناتها المتهالكة أمام كوارث لم تعد مفاجئة.
مأساة عائلة "آل مير" ليست سوى الفصل الأحدث في رواية الموت تحت الأنقاض التي تلاحق طرابلس. وتؤكد الوقائع أن المبنى المنهار كان قد أخلي نظرياً قبل ساعات من سقوطه بعد ظهور تصدعات خطيرة، إلا أن العائلة عادت إليه. لماذا؟ الإجابة بسيطة ومرة، غياب البديل.
تشير التقارير الهندسية والبيانات الميدانية إلى أن طرابلس وخاصة مناطق القبة، التبانة، وضهر المغر تضم أكثر من ٤٠٠٠ مبنى مهدد بالانهيار. هذه الأبنية تعاني من، غياب الصيانة الدورية، نتيجة الفقر المدقع وقوانين الإيجارات القديمة، التوسع العشوائي،حيث أن طوابق أضيفت فوق أساسات متهالكة دون رقابة من بلدية أو نقابة مهندسين، وإهمال الملف الرسمي، وعود بدل الإيواء والترميم تبقى حبراً على ورق، مما يجبر الفقراء على اختيار الموت تحت السقف بدلاً من التشرد في العراء.
ما جرى في القبة اليوم هو إدانة صريحة لكل من تعاقب على إدارة الملف الإنمائي في الفيحاء. الرقابة على المباني في طرابلس تكاد تكون معدومة، والتحركات الرسمية لا تأتي إلا كرد فعل بعد وقوع الكارثة.
استمرار سياسة غض الطرف عن الأبنية المتصدعة هو بمثابة قتل عمد للسكان.
فمئات العائلات في القبة والتبانة تنام اليوم وهي تضع يدها على قلبها، فالمبنى الذي يجاوره قد يكون هو التالي. الحق في السكن الآمن ليس رفاهية، بل هو صلب الكرامة الإنسانية التي يبدو أنها سقطت هي الأخرى تحت أنقاض شارع الجديد.