لم تعد أزمة شركة نسله مجرد خطأ تقني عابر، بل تحولت إلى ما يشبه الكابوس اللوجستي والأخلاقي لأكبر مصنّع للغذاء في العالم. فوفقاً لبيانات حديثة وإحصاءات وطنية لسلامة الغذاء، اتسع نطاق سحب دفعات من منتجات حليب الأطفال ليتجاوز القارة الأوروبية ويصل إلى قلب أفريقيا، الأميركيتين، وآسيا، في واحدة من أضخم عمليات الاستدعاء التي شهدها القطاع الغذائي عبر التاريخ.
التحرك الاحترازي الذي اتخذته الشركة لم يأتِ من فراغ، بل جاء وسط مخاوف جدية من تلوث المنتجات بمادة السيريوليد السامة. هذه المادة، التي تُعرف بقدرتها على إثارة حالات حادة من الغثيان والقيء، وضعت نسله في موقف حرج أمام السلطات الصحية الدولية. ورغم تأكيدات الشركة بأنه لم يتم تسجيل حالات مرضية رسمية حتى اللحظة، إلا أن مجرد وجود الاشتباه في منتجات موجهة لفئة الرضع الحساسة يُعد سقطة مدوية في معايير الجودة العالمية.
لم تترك الأزمة بقعة في العالم إلا وطالتها، حيث شملت التحذيرات الصحية ما لا يقل عن 37 دولة. القائمة تضم قوى اقتصادية كبرى ومناطق جغرافية واسعة شملت:
معظم دول القارة بقيادة النمسا التي فجرت تفاصيل الأزمة، آسيا وأوقيانوسيا الصين وأستراليا، البرازيل والمكسيك، جنوب أفريقيا ودول أخرى في القارة.
ففي تطور لافت كشفت عنه وزارة الصحة النمساوية، تبين أن عملية السحب لم تكن محدودة، بل طالت أكثر من 800 منتج خرجت من 10 مصانع مختلفة. هذا التوسع يشير إلى خلل بنيوي في سلاسل التوريد أو التصنيع لدى الشركة، مما دفع الخبراء لوصفها بأنها العملية الأكبر في تاريخ نسلة.
هذا التدهور في السمعة لم يمر بسلام على الصعيد المالي، إذ واجهت الشركة ضغوطاً بيعية هائلة أدت إلى انخفاض أسهمها بنحو 5.7% خلال أسبوع واحد فقط، مما يعكس حالة الهلع لدى المستثمرين من التبعات القانونية والتعويضات المحتملة.
وبينما تحاول نسله تصوير الأمر كإجراء احترازي ينم عن الشفافية، تظل التساؤلات قائمة، فكيف لمادة سامة أن تتسلل إلى 800 منتج ومن 10 مصانع مختلفة قبل اكتشافها؟ وهل وصول التحذيرات إلى 37 دولة يعني أن نظام الرقابة الداخلية قد فشل في احتواء المشكلة في مهدها؟
الشركة اليوم ليست أمام أزمة منتج ملوث فحسب، بل هي أمام اختبار حقيقي لترميم ثقة الآباء والأمهات التي اهتزت في أغلى ما يملكون، الا وهي سلامة أطفالهم. حيث أن الأرقام المسجلة تجعلنا نتساءل، هل ضحت المعايير الصارمة لصالح سرعة الإنتاج؟