في عاليه، لا يمكن قراءة ما يجري بوصفه سلسلة حوادث منفصلة. التوقيفات الأخيرة، والتحالفات السياسية المتبدّلة، والسيطرة على الخدمات الأساسية، والتلاعب بالأراضي والمشاعات، كلها تشكّل أجزاء من نموذج واحد لإدارة محلية اختلطت فيه السياسة بالأمن، والخدمة العامة بالمصلحة الخاصة، إلى حدّ تآكل دور الدولة وتحويلها إلى مرجعية مُعطَّلة.
هذا التحقيق لا يصدر أحكامًا، بل يستند إلى وقائع وشهادات متقاطعة ترسم صورة واضحة عن كيفية إدارة المدينة، ومن يقرّر فيها، ومن يُحاسَب… ومن يُحمى.
التوقيفات وما تكشفه من شبكة حماية
أُوقِف مؤخرًا شخصان أساسيان من شرطة بلدية عاليه. الحدث ليس تفصيلاً أمنيًا عابرًا، بل مدخلًا إلى شبكة أوسع، إذ إنّ الموقوفين سبق أن أُوقفوا في ملفات سابقة داخل سوريا، قبل أن يتمّ تخليصهم سياسيًا وإعادتهم إلى مواقعهم.
بحسب مصادر محلية متقاطعة، جرى حينها التدخّل لإقفال الملف بغطاء وفّرته مرجعيات نافذة في المدينة، على رأسها رئيس البلدية وجدي مراد ووكيل داخلية الحزب التقدمي الاشتراكي يوسف دعيبس.
اليوم، مع إعادة فتح الملف، يُطرح السؤال الجوهري: هل يُستكمل التحقيق هذه المرّة؟ أم يُعاد إنتاج منطق «التخليص» نفسه؟
من الخصومة إلى الصفقة
لفهم ما يجري اليوم، لا بدّ من العودة إلى الانتخابات البلدية السابقة. بحسب مصادر سياسية محلية، كانت العلاقة بين وجدي مراد ويوسف دعيبس متوترة، وشهدت صدامًا سياسيًا وصل حدّ محاولة تشكيل لائحة مواجهة داخل المدينة. غير أنّ هذا الصدام لم يدم طويلًا.
فما لبث أن انقلب الخلاف إلى تحالف كامل عقب صفقة سياسية–مالية أعادت ترتيب الاصطفافات. منذ ذلك الحين، لم تعد البلدية ساحة تنافس أو محاسبة، بل مساحة إدارة مشتركة للمصالح والنفوذ، حيث تُدار الملفات بمنطق التسويات لا القانون.
كسر محاولات التغيير: شهادة من الداخل
في تلك المرحلة، برز موقف لافت للإعلامية والأكاديمية ميرنا مراد رضوان، وهي قريبة رئيس البلدية.
بحسب رضوان، فقد أوقفت دعمها السياسي لوجدي مراد، وخرجت علنًا من عباءة التأييد العائلي–السياسي، لتبدأ دعمًا واضحًا للمرشحين الشباب. وضمّت اللائحة التي دعمتها أسماء أكاديمية ومهنية، على رأسهم الدكتور أيمن باز وزياد شهيب ، إلى جانب مجموعة من الشباب الذين وصفتهم بـ«الكفوئين والنظيفي الكف».
غير أنّ هذه المحاولة لم تُكتب لها الاستمرارية. فبحسب رضوان، عمل يوسف دعيبس بشكل مباشر على تفكيك هذه اللائحة عبر ضغوط سياسية وانتخابية، ما أدّى إلى إسقاطها قبل أن تتحوّل إلى بديل فعلي داخل المجلس البلدي.
الخدمات والأراضي: حيث تُعطَّل الدولة يوميًا
قد يحاول البعض توصيف ما يجري في عاليه على أنه «تفاصيل حياتية»: مولدات، مياه، فاليه باركينغ، شركات دليفري. لكن هذه ليست تفاصيل، بل ملفات دولة بامتياز تقع في صلب مسؤوليات الدولة اللبنانية.
بحسب شهادات أهالٍ ومتعهدين، تسيطر شبكة نفوذ مرتبطة بالثنائي وجدي مراد يوسف دعيبس على قطاعات حيوية، أبرزها:
• المولدات الخاصة ومنع المنافسة؛
• المياه والتغاضي عن التعديات والسرقات
• الأراضي والمشاعات والتلاعب بالتخطيط العمراني
• الفاليه باركينغ والأسواق العامة واحتكار الفضاء العام.
الأخطر، بحسب متعهدين، هو فرض التعامل الإجباري على المقاولين وحتى العامل مع شركتَي دليفري محددتين، ومنع أي خيار بديل، تحت طائلة تعطيل الرخص أو فتح ملفات ضغط إدارية وأمنية. نحن هنا أمام اقتصاد ظلّ منظّم، لا فوضى عشوائية.
في هذا السياق، يبرز السؤال السياسي الأوضح: أين الدولة، وأين القرار السياسي؟
أين وعود محاربة الفساد التي رُفعت في الخطاب العام، وأين «التغيير» الذي يُسوَّق له كشعار؟ وهل ما يجري في عاليه يتمّ بعلم أو رضى وليد جنبلاط في مناطق نفوذه؟
الصمت هنا لا يمكن اعتباره حيادًا، بل يتحوّل إلى جزء من المشكلة، لأنه يسمح باستمرار هذا النموذج من دون مساءلة.
ما يحدث في عاليه ليس حالة استثنائية، بل نموذجًا مصغّرًا عن دولة معطّلة: القانون يُجمَّد حين لا يخدم النفوذ، ويُفعَّل انتقائيًا حين يُستخدم أداة ضغط.
توقيفات اليوم ليست نهاية المسار، بل بدايته. وما لم تُفتح ملفات الخدمات، والأراضي، والتخطيط العمراني حتى نهايتها، ستبقى عاليه مدينة تُدار بمنطق النفوذ لا بمنطق الدولة.
هذا التحقيق يضع الوقائع في العلن.
وما كُشف حتى الآن… قد لا يكون سوى جزءٍ مما هو مخفي