في مجتمعٍ لطالما تغنّى بروابط الأسرة، تأتي جريمة مقتل المواطن (ع. غ. ص.) لتكسر هذا المفهوم، وتكشف عن وجهٍ شديد القتامة للجشع حين يتسلل إلى قلوب الأقارب. لم تكن مجرد عملية سرقة فاشلة، بل كانت مؤامرة نُسجت خيوطها بدمٍ بارد داخل العائلة الواحدة، وانتهت بجثة مدفونة تحت تراب عين عنوب.
بدأت المأساة ليل السابع من كانون الثاني 2026، عندما غادر المغدور (مواليد 1972) محلّه المخصص لبيع الأدوات الصحية في منطقة بربور ببيروت. غيابٌ لم يطل حتى استشعر شقيقه (م. ص.) الخطر، ليبلغ القوى الأمنية في اليوم التالي عن فقدان الأثر. ومع إقفال هاتف المفقود فور وصوله إلى منطقة عرمو"، انتقلت القضية من فقدان شخص إلى شبهة جنائية وضعتها شعبة المعلومات تحت مجهر الرصد التقني والميداني.
تمكنت شعبة المعلومات من تحديد مسار الضحية. تبين أن سيارة من نوع BMW فضية اللون كانت القاسم المشترك في عملية نقل المغدور إلى مستودع في عرمون. ومن خلال المراقبة الدقيقة، نُصبت كمائن متزامنة في 11 كانون الثاني أسفرت عن توقيف كل من (م. ب.، لبناني، مواليد 1989) و(ع. ن.، سوري، مواليد 1993).
أدلى الموقوفين بما نسب إليهما، فقد استدرجا الضحية إلى مستودع مملوك للموقوف الأول في عرمون بقصد سرقته، حيث قاموا بتكبيل الضحية وتعصيب عينيه والاعتداء عليه جسدياً بشكل عنيف، ما أدى إلى وفاته بين أيديهم، وعمدا إلى نقل الجثة ودفنها في منطقة عين عنوب"لإخفاء معالم الجريمة، بل وحاولا في الليلة ذاتها اقتحام منزل المغدور في بيروت لسرقة المزيد من الأموال، لكن محاولتهما باءت بالفشل.
كما كشفت التحقيقات عن هوية العقل المدبر والمحرض، وهو (ب. ي.، لبناني، مواليد 1997)، الذي لم يكن سوى ابن شقيقة المغدور. هذا الشاب هو من زوّد الجناة بالمعلومات حول المبالغ المالية التي يحملها خاله، وهو من رسم خطة الاختطاف والسرقة التي تحولت إلى جريمة قتل.
تطرح هذه الجريمة تساؤلات نقدية عميقة حول الوضع الأمني والاجتماعي، فالمجرم هنا لم يأتِ من خلف الحدود أو من عصابات مجهولة، بل نبت من داخل البيت الواحد. وإن تورط صهر ابنة الشقيقة وابن الشقيقة نفسه في تصفية خالهم من أجل حفنة من المال، يعكس انحلالاً أخلاقياً مرعباً وضياعاً للقيم الإنسانية والروابط العائلية أمام بريق المادة.
ورغم أن اليقظة الأمنية لشعبة المعلومات نجحت في كشف الجناة خلال أيام قليلة، وضبطت السيارة والمستندات الشخصية للمغدور في منزل القاتل، إلا أن ندبة هذه الجريمة ستبقى شاهدة على زمنٍ بات فيه المرء يُستدرج إلى حتفه من قِبل أولئك الذين يُفترض أنهم سنده.
خُتم المحضر القانوني، وأُحيل الموقوفون إلى القضاء، بانتظار عدالةٍ تطفئ نار عائلة فُجعت في ابنها.. وفي من ظنّت أنهم أبناؤها.